الخطيب الشربيني
714
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فيه ، وقال قتادة : هو الباقي بعد فناء خلقه ، وقال سعيد بن جبير : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله ، وقال السدّي : هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب . تقول العرب : صمدت فلانا أصمده صمدا بسكون الميم إذا قصدته . وعن أبيّ بن كعب : هو الذي لَمْ يَلِدْ لأنّ من يلد سيموت ، ومن يرث يورث عنه ففسر الصمد بما بعده . وينبغي أن تجعل هذه التفاسير كلها تفسيرا واحدا فإنه متصف بجميعها فكونه لم يلد لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى من يعينه ، أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه لدوامه في أبديته ، والاقتصار على الماضي لوروده ردّا على من قال الملائكة بنات الله ، أو العزير أو المسيح أو غيره . ولما بين أنه لا فصل له ظهر أنه لا جنس له فدل عليه بقوله تعالى : وَلَمْ يُولَدْ لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول ، فهو قديم لا أوّل له ، بل هو الأوّل الذي لم يسبقه عدم لأنّ الولادة تتكوّن ولا تتشخص إلا بواسطة المادّة وعلاقتها وكل ما كان مادّيا أو كان له علاقة بالمادة كان متولدا عن غيره ، والله سبحانه وتعالى منزه عن جميع ذلك . وَلَمْ يَكُنْ ، أي : لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من التقادير لَهُ ، أي : خاصة كُفُواً ، أي : مثلا ومساويا أَحَدٌ على الإطلاق ، أي : لا يساويه في قوّة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار الجنس والفصل ، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون كالأمّ ، والفصل الذي يكون كالأب ، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه من الوجوه أن يكون في شيء من الولادة ، لأنّ وجوب وجوده لذاته فانتفى أن يساويه شيء . وكان الأصل أن يؤخر الظرف ؛ لأنه صلة لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدّم تقديما للأهمّ ، ويجوز أن يكون حالا من المستكن في كفؤا ، أو خبرا ، أو يكون كفؤا حالا من أحد وعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلهما ، لأنّ الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال فهي كالجملة الواحدة . روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأمّا تكذيبه إياي يقول : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد » « 1 » . وقرأ حمزة بسكون الفاء والباقون بضمها ، وقرأ حفص كفوا بالواو وقفا ووصلا ، وإذا وقف حمزة وقف بالواو . وروي في فضائل هذه السورة أحاديث كثيرة منها ما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري « أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يردّدها فلما أصبح أتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له ، وكان الرجل يتقللها فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن » « 2 » . فإن قيل : لم كانت تعدل ثلث القرآن ؟ أجيب : بأن القرآن أنزل أثلاثا ثلث أحكام ، وثلث وعد ووعيد ، وثلث أسماء وصفات
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4974 ، والنسائي في الجنائز حديث 2078 . ( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 5013 ، 5014 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1461 .