الخطيب الشربيني

706

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الأجل إذ لو بقي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك لكان كالمعزول من الرسالة وذلك غير جائز وعن ابن عباس : أن عمر كان يدنيه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال عبد الرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا وفي أبنائنا من هو مثله ؟ فقال : إنه من قد علمتم . قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ولا أراه سألهم إلا من أجلي ، فقال بعضهم : أمر الله تعالى نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقلت ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ثم قال : كيف تلوموني عليه بعد ما ترون . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم « دعا فاطمة رضي الله عنها فقال : يا بنتاه إني نعيت إلى نفسي فبكت ، فقال : لا تبكي فإنك أوّل أهلي لحوقا بي » « 1 » وعن عائشة « كان صلى اللّه عليه وسلم يكثر قبل موته أن يقول : « سبحانك اللهمّ وبحمدك استغفرك وأتوب إليك » « 2 » وعنها أيضا « ما صلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلا يقول فيها : سبحانك اللهمّ وبحمدك اللهمّ اغفر لي » « 3 » . وقالت أم سلمة رضي الله عنها : « كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال : « سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه . قال : فإني أمرت بها ثم قرأ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها » « 4 » . وقيل : استغفره هضما لنفسك واستصغارا لعملك واستدراكا لما فرط منك بالالتفات على غيره وعنه عليه الصلاة والسلام : « إني استغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة » « 5 » وقيل : استغفر لأمّتك وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق ، كما قيل : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله . ولما أمره الله تعالى بالتسبيح والاستغفار أرشده إلى التوبة بقوله تعالى : إِنَّهُ ، أي : المحسن إليك بالنصر والفتح وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر كانَ ، أي : ولم يزل تَوَّاباً ، أي : رجاعا بمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته ، فهو الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف والعداوات ، فأيدك الله تعالى بدخولهم في الدين شيئا فشيئا إلى أن دخلت مكة بعشرة آلاف ، وهو أيضا يرجع بك إلى الحالة التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى . قال الله تعالى : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [ الضحى : 4 ] فتفوز بتلك السعادات العالية . وعن ابن مسعود : أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع . قال قتادة ومقاتل : عاش النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين وهذا بناء على أنها نزلت قبل فتح مكة ، وهو قول الأكثر فإنّ الفتح كان في سنة ثمان ، وأمّا من قال : عاش دون ذلك كما مر فبناء على أنها نزلت في حجة الوداع كما مرّ أيضا . تنبيه : في الآية سؤالات أحدها أنّ قوله تعالى : كانَ تَوَّاباً يدل على الماضي وحاجتنا إلى

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في المناقب حديث 3623 ، 3624 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 2450 ، والترمذي في المناقب حديث 3872 ، وابن ماجة في الجنائز حديث 1621 . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 4 / 342 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 2 / 368 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 23 ، 10 / 142 ، 143 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 4967 . ( 4 ) تقدم الحديث بنحوه مع تخريجه قبل قليل . ( 5 ) تقدم الحديث مع تخريجه .