الخطيب الشربيني
707
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قبوله في المستقبل . ثانيها : هلا قال غفارا كما قال في سورة نوح عليه السلام . ثالثها : أنه قال تعالى : نَصْرُ اللَّهِ وقال تعالى : فِي دِينِ اللَّهِ وقال تعالى بِحَمْدِ رَبِّكَ ولم يقل بحمد الله ؟ أجيب : عن الأوّل بوجوه : أحدها : أنّ هذا أبلغ كأنه يقول إني تبت على من هو أقبح فعلا منكم كاليهود ، فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة كفلق البحر ونتق الجبل ونزول المنّ والسلوى عصوا ربهم وأتوا بالقبائح ، ولما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا لتوبة أولئك وهم دونكم أفلا أقبل توبتكم وأنتم خير أمّة أخرجت للناس . ثانيها : إني شرعت في توبة العصاة ، والشروع ملزم على قول النعمان فكيف في كرم الرحمن . ثالثها : كنت توابا قبل أمركم بالاستغفار ، أفلا أقبل وقد أمرتكم . رابعها : كأنه أشار إلى تخفيف جنايتهم ، أي : لستم أوّل من جنى وتاب ، والمعصية إذا عمت خفت . خامسها : كأنه نظير ما يقال لقد أحسن الله إليك فيما مضى ، كذلك يحسن إليك فيما بقي . وأجيب : عن الثاني بوجهين : أحدهما لعله خص هذه الأمة بزيادة الشرف لأنه لا يقال في صفات العبد : غفار ، ويقال : تواب إذا كان آتيا بالتوبة فيقول تعالى : كنت لي سميا من أوّل الأمر أنت مؤمن وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفا فتب حتى تصير سميا في آخر الأمر ، وأنت تواب وأنا تواب ثم التوّاب في حق الله تعالى إنه يقبل التوبة كثيرا . فيجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيرا . وثانيهما : أنه تعالى إنما قال توابا لأنّ القائل قد يقول استغفر الله وليس بتائب كقوله عليه الصلاة والسلام : « المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزئ بربه » « 1 » . فإن قيل : قد يقول أتوب وليس بتائب ؟ أجيب : بأن ذا يكون كاذبا لأنّ التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه فصار تقدير الكلام : واستغفره بالتوبة ، وفيه تنبيه على أنّ خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار فكذا خواتيم الأعمار . وأجيب عن الثالث : بأنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرّتين ، وذكر اسم الفعل مرّتين أحدهما الرب ، والثاني التوّاب . ولما كانت التربية تحصل أولّا والتوبة آخرا ، لا جرم ذكر اسم الرب أولا واسم التوبة آخرا فنسأل الله تعالى من فضله وكرمة أن يمنّ علينا بتوبة نصوح لا ننكث بعدها أبدا ، فإنه كريم رحيم . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة » « 2 » حديث موضوع .
--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 819 .