الخطيب الشربيني

681

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سورة الهمزة مكية ، وهي تسع آيات وثلاثون كلمة ومائة وثلاثون حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الحكم العدل الرَّحْمنِ الذي عمّ جوده أهل البخل وأولي العدل الرَّحِيمِ الذي خص أولياءه بزيادة الفضل [ سورة الهمزة ( 104 ) : الآيات 1 إلى 9 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ( 1 ) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ( 3 ) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 ) وقوله تعالى : وَيْلٌ فيه قولان : أحدهما : أنه كلمة عذاب ، والثاني : أنه واد في جهنم لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال ابن عباس : هم المشاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ، فعلى هذا هما بمعنى . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « شرّ عباد الله المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبراء العيب » « 1 » . وقال مقاتل : الهمزة الذي يعيبك في الغيب ، واللمزة الذي يعيبك في الوجه . وقال أبو العالية والحسن : الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل ، واللمزة الذي يغتابه من خلفه ، وهذا اختيار النحاس . ومنه قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] . وقال سعيد بن جبير : الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، واللمزة الطعان عليهم . وقال ابن زيد : الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم ، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم . وقال سفيان الثوري : يهمز بلسانه ويلمز بعينه . وقال ابن كيسان : الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ ، واللمزة الذي يكسر عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه . وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب ، ويدخل في ذلك من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منهم . وأصل الهمز الكسر واللمز الطعن ، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم حتى صار ذلك عادة ، لأنه خلق ثابت في جبلتهم والذي دلّ على الاعتياد صيغة فعلة بضم ففتح ، كما يقال : ضحكة للذي يفعل الضحك كثيرا حتى صار عادة له وضري به . واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية ، فقال الكلبي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم . وقال محمد بن إسحاق : ما زلنا نسمع أنّ سورة الهمزة نزلت في أمية بن

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 / 310 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 93 .