الخطيب الشربيني
682
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
خلف الجمحيّ . وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من ورائه ، ويطعن عليه في وجهه . وقال مجاهد : هي عامّة في حق من هذه صفته . وقوله تعالى : الَّذِي جَمَعَ مالًا بدل من كل ، أو ذمّ منصوب أو مرفوع . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد الميم على المبالغة والتكثير ولأنه يوافق قوله تعالى : وَعَدَّدَهُ والباقون بتخفيفها ، وهي محتملة للتكثير وعدمه ، ومعنى عدّده : أحصاه وجعله للحوادث . وقال الضحاك : أعدّ ماله لمن يرثه من أولاده ، وقيل : فاخر بعدده وكثرته والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة كقوله تعالى : مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [ ق : 25 ] وقوله تعالى : وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعراج : 18 ] يَحْسَبُ أي : يظنّ لجهله أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ أي : أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا فيصير خالدا فيها لا يموت ، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض عمل من يظنّ أنّ ماله أبقاه حيا ، أو هو تعريض بالعمل الصالح ، أو أنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم ، فأمّا المال فما أخلد أحدا فيه . وروي أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار ، وقيل : عشرة آلاف دينار . وعن الحسن : أنه عاد موسرا فقال : ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم ؟ قال : لماذا ؟ قال : لنبوة الزمان ، وجفوة السلطان ونوائب الدهر ، ومخافة الفقر قال : إذا تدعه لمن لا يحمدك ، وترد على من لا يعذرك . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين ، والباقون بكسرها . وقوله تعالى : كَلَّا ردع له عن حسبانه ، وقيل : معناه حقا . وقوله تعالى : لَيُنْبَذَنَّ جواب قسم محذوف ، أي : ليطرحن بعد موته فِي الْحُطَمَةِ أي : الطبقة من جهنم التي شأنها أن تحطم ، أي : تكسر بشدّة وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين ويقال للرجل الأكول : إنه لحطمة . وَما أَدْراكَ أي : وأيّ شيء أعلمك ، ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع كونك أعلم الحكماء مَا الْحُطَمَةُ أي : الدركة النارية التي سميت هذا الاسم بهذه الخاصة ، وأنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا لها ، ثم فسرها بقوله تعالى : نارُ اللَّهِ أي : الملك الأعظم الذي له الملك كله الْمُوقَدَةُ أي : التي وجد وتحتم إيقادها ، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقد فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتا . روى أبو هريرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة » « 1 » . الَّتِي تَطَّلِعُ أي : اطلاعا شديدا عَلَى الْأَفْئِدَةِ جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدّة ذكائه فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص ، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا بليغا سمّي بذلك لشدّة توقدّه وخصّ لأنه ألطف ما في البدن وأشدّ تألما بأدنى شيء من الأذى ، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ، ومعدن حبّ المال الذي هو منشأ حبّ الفساد والضلال ، وعنه تصدر الأفعال القبيحة . وقيل : معنى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي : تعمل ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب يقال : اطلع على كذا ، أي : علمه .
--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .