الخطيب الشربيني
680
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إنّ الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى ، لأنّ الذنب يعظم إمّا لعظم من في حقه الذنب ، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة ، فلذلك كان الذنب في غاية العظم . وإن حمل على الثاني كان المعنى : إن خسران الإنسان دون خسران الشيطان ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكلّ لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك ، وكان فيهم من خلصه الله تعالى مما طبع عليه الإنسان وحفظه عن الميل استثناهم بقوله عز من قائل : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أي : أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم به من توحيده سبحانه ، والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وَعَمِلُوا أي : تصديقا لما أقرّوا به من الإيمان الصَّالِحاتِ أي : هذا الجنس من إيقاع الأوامر واجتناب النواهي ، واشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية ، فلم يلحقهم شيء من الخسران . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : المراد بالإنسان الكافر ، وقال في رواية الضحاك : يريد به جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب . وقيل : لفي خسر غبن وقال الأخفش لفي هلكة وقال الفراء : لفي عقوبة . وقال ابن زيد : لفي شرّ . وروى ابن عوف عن إبراهيم قال : أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وأهرم لفي ضعف ونقص وتراجع إلا المؤمنين فإنه يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم ، ونظيره قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ التين : 4 - 6 ] . ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر إلا بتكميل غيره ، وحينئذ كان وارثا لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا للتكميل . قال تعالى مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة منبها على عظمه : وَتَواصَوْا أي : أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال والمقال بِالْحَقِّ أي : الأمر الثابت وهو كل ما حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره ، وهو الخير كله من توحيد الله تعالى وطاعته ، واتباع كتبه ورسله ، والزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة وَتَواصَوْا أيضا بِالصَّبْرِ عن المعاصي وعلى الطاعات ، وعلى ما يبتلي الله به عباده من الأمراض وغيرها . ويروى عن أبيّ بن كعب أنه قال : قرأت على النبي صلى اللّه عليه وسلم والعصر ، ثم قلت : ما تفسيرها يا رسول الله ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « والعصر قسم من الله أقسم ربكم بآخر النهار إنّ الإنسان لفي خسر أبو جهل إلا الذين آمنوا أبو بكر ، وعملوا الصالحات عمر وتواصوا بالحق عثمان ، وتواصوا بالصبر عليّ » « 1 » . وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفا عليه . وقال قتادة : بالحق ، أي : بالقرآن . وقال السدّي : الحق هنا الله عز وجل . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة والعصر غفر الله له ، وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر » « 2 » . حديث موضوع .
--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 20 / 180 . ( 2 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 801 .