الخطيب الشربيني
652
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
لا يجيزون إبدال نكرة من معرفة إلا بشرط وصفها ، أو كونها بلفظ الأوّل ومذهب البصريين لا يشترط شيء ، والمعنى : لنأخذن بناصية أبي جهل الكاذبة في قولها الخاطئة في فعلها ، والخاطئ معاقب مأخوذ والمخطئ غير مأخوذ ووصفت الناصية بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه في قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 23 ] وإنما وصفت الناصية بالكاذبة لأنه كان يكذب على الله تعالى في أنه لم يرسل محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى رسوله في أنه ساحر وليس بنبي ووصفت بأنها خاطئة لأنّ صاحبها تمرّد على الله تعالى كما قال تعالى : لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [ الحاقة : 37 ] فهما في الحقيقة لصاحبها وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء . وروي أنّ أبا جهل مرّ برسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي فقال : ألم أنهك فأغلظ عليه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : أتنهرني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا ، فوالله لأملأنّ عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا فأنزل الله تعالى : فَلْيَدْعُ أي : دعاء استغاثة نادِيَهُ أي : أهل ناديه ليعينوه فهو على حذف مضاف ، لأنّ النادي هو المجلس الذي ينتدى فيه القوم قال تعالى : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [ العنكبوت : 29 ] أي : يتحدّثون فيه أو على التجوّز لأنه مشتمل على الناس كقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله ، والمعنى فليدع عشيرته فلينتصر بهم . سَنَدْعُ أي : بوعد لا خلف فيه الزَّبانِيَةَ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدّة ، جمع زبني مأخوذ من الزبن وهو الدفع . وقال الزمخشري : الزبانية في كلام العرب الشّرط الواحد زبنية . وقال الزجاج : هم الملائكة الغلاظ الشداد . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله تعالى . وروي « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ قال : أبو جهل : أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك » . قال الله تعالى : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ فلما ذكر الزبانية رجع فزعا ، فقيل : له : خشيت منه ؟ قال : لا ولكن رأيت عنده فارسا وهدّدني بالزبانية فلا أدري الزبانية ، ومال إليّ الفارس فخشيت منه أن يأكلني . قال ابن عباس رضي الله عنهما : والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته » . « 1 » وقوله تعالى : كَلَّا ردع لأبي جهل ، أي : ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل لا تُطِعْهُ أي : فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كقوله تعالى : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [ القلم : 8 ] وقوله تعالى : وَاسْجُدْ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة ، وأن يكون سجود التلاوة في هذه السورة ، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : سجدت مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] وفي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ سجدتين ، وهذا نص أن المراد سجود التلاوة ، ويدل للأوّل قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى إلى قوله تعالى : كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ أي : ودم على سجودك . قال الزمخشري : يريد الصلاة لأنه لا يرى سجود التلاوة في المفصل والحديث عليه . وَاقْتَرِبْ أي : وتقرّب إلى ربك بطاعته وبالدعاء إليه . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن - أي : فحقيق - أن
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3349 .