الخطيب الشربيني
649
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الْإِنْسانَ تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته وقوله تعالى : مِنْ عَلَقٍ جمع علقة وهي الدم الجامد ، فإذا جرى فهو المسفوح ولما كان الإنسان اسم جنس في معنى الجمع جمع العلق ، ولمشاكلة رؤوس الآي أيضا . وقوله تعالى : اقْرَأْ تكرير للمبالغة ، أو الأول مطلق والثاني للتبليغ ، أو في الصلاة قال البيضاوي : ولعله لما قيل له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قال ما أنا بقارئ فقيل له اقرأ : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أي : الزائد في الكرم على كل كريم ، فإنه ينعم على عباده النعم التي لا تحصى ، ويحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه ، وركوبهم المناهي في اطراحهم الأوامر ، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم ، فما لكرمه غاية ولا أمد ، وكأنه ليس وراء التكرّم بإفادة الفوائد العلمية تكرّم حيث قال الأكرم : الَّذِي عَلَّمَ أي : بعد الحلم عن معاجلتهم بالعقاب جودا منه تعالى من غير مانع من خوف عاقبة ، ولا رجاء منفعة بِالْقَلَمِ أي : الخط بالقلم . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فدل على كمال كرمه بأنه علّم عباده ما لم يعلموه ، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو ، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ، ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم ، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به . ولبعضهم في صفة القلم « 1 » : ورواقم رقش كمثل أراقم * قطف الخطا نيالة أقصى المدى سود القوائم ما يجدّ مسيرها * إلا إذا لعبت بها بيض المدى وقال قتادة : القلم نعمة من الله تعالى ، ولولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش فدل على كمال كرمه تعالى . وروى عبد الله بن عمر قال : « قلت : يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث قال : نعم فاكتب فإنّ الله تعالى علم بالقلم » « 2 » . ويروى أنّ سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام فقال : ريح لا يبقى ، . فقال : فما قيده ؟ قال : الكتابة . وعن عمر قال : خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده ثم قال تعالى لسائر الحيوان : كن فكان ، وهي القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه السلام . وفيمن علم بالقلم ثلاثة أقوال : أحدها : قال كعب : أوّل من كتب بالقلم آدم عليه الصلاة والسلام . ثانيها : قال الضحاك : إدريس عليه السلام . ثالثها : أنه جميع من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله تعالى . وقال القرطبي : الأقلام ثلاثة في الأصل : القلم الأوّل : الذي خلقه الله تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ ، والثاني : قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير والكوائن ، والثالث : أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ويصلون بها إلى مآربهم . وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهنّ الكتابة » « 3 » . قال بعض العلماء : وإنما حذرهم صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 20 / 120 . ( 3 ) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 14 / 222 ، وابن الجوزي في الموضوعات 2 / 296 ، -