الخطيب الشربيني
650
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عن ذلك ، لأنّ في إسكانهنّ الغرف تطلعا إلى الرجال وليس في ذلك تحصين لهنّ ولا تستر ، وذلك أنهنّ لا يملكن أنفسهنّ حين يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة فحذر من ذلك ، وكذلك تعليم الكتابة ربما كان سببا للفتنة لأنها قد تكتب لمن تهوى ، والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب ، والخط إشارة اليد وفيها تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان ، فهي أبلغ من اللسان فأحب صلى اللّه عليه وسلم أن يقطع عن المرأة أسباب الفتنة تحصينا لها . وقوله تعالى : كَلَّا ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى بطغيانه ، وإن لم يذكره لدلالة الكلام عليه ، فإنه تعالى قد عدّ مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهارا لما أنعم عليه من أن نقله من أحسن المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته ، إِنَّ الْإِنْسانَ أي : هذا النوع الذي من شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه لَيَطْغى أي : من شأنه إلا من عصمه الله تعالى أن يزيد على الحدّ الذي لا ينبغي له مجاوزته . أَنْ رَآهُ أي : رأى نفسه اسْتَغْنى أي : وجد له الغنى بالمال وقيل : أن يرتفع عن منزلته في اللباس والطعام وغير ذلك . نزلت في أبي جهل كان إذا زاد ماله زاد في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل ، فقال : يا محمد أتزعم أنّ من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهبا لعلنا نأخذ فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك ، قال : فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا محمد خيرهم في ذلك فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوا ، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن الدعاء إبقاء لهم . وقيل : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى بالعشيرة والأنصار والأعوان ، وحذف اللام من قوله تعالى : أَنْ رَآهُ كما يقال إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم ، فرأى علمية واستغنى مفعول ثان ، وأن رأى مفعول له . إِنَّ إِلى رَبِّكَ أي : المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك لا إلى غيره الرُّجْعى مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع ، ففي ذلك تخويف للإنسان بأن يجازي العاصي بما يستحقه . وقوله تعالى : أَ رَأَيْتَ في مواضعها الثلاث للتعجب الَّذِي يَنْهى أي : على سبيل التجدد والاستمرار وهو أبو جهل . عَبْداً أي : من العبيد وهو النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إِذا صَلَّى أي : خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي أعظم العبادات . نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الصلاة . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقالوا : نعم . فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ، ولأعفرنّ وجهه في التراب ، . قال : فأتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته فنكص على عقبيه وهو يتقي بيده ، فقيل : له : ما لك ؟ ، فقال : إن بيني وبينه خندقا من النار وهولا وأجنحة ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله تعالى هذه الآية » « 1 » . وفي رواية « لو فعله لأخذته
--> - والشوكاني في الفوائد المجموعة 126 ، وابن عراق في تنزيه الشريعة 2 / 208 ، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة 2 / 92 . ( 1 ) أخرجه مسلم في المنافقين حديث 2797 .