الخطيب الشربيني
641
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] وقال الحسين بن الفضل : يعني الخطأ والسهو . وقيل : ذنوب أمتك ، وأضافها إليه لاشتغال قلبه بها . الَّذِي أَنْقَضَ ، أي : أثقل ظَهْرَكَ قال أبو عبيدة : خففنا عنك أعباء النبوّة والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل : كان في الابتداء يثقل عليه الوحي حتى يكاد يرمي نفسه من شاهق إلى أن جاءه جبريل عليه السلام ، وأزال عنه ما كان يخاف من تغير العقل وقيل : عصمناك من احتمال الوزر ، وحفظناك قبل النبوّة في الأربعين من الأدناس ، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر . وَرَفَعْنا ، أي : بما لنا من القدرة التامّة لَكَ ذِكْرَكَ روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يقول الله عز وجل : لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان والإقامة والتشهد ، ويوم الجمعة على المنابر ، ويوم الفطر ، ويوم الأضحى ، ويوم عرفة ، وأيام التشريق ، وعند الجمار ، وعلى الصفا والمروة ، وفي خطبة النكاح ، ومشارق الأرض ومغاربها . ولو أنّ رجلا عبد الله تعالى ، وصدّق بالجنة والنار ، وكل شيء ولم يشهد أنّ محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء ، وكان كافرا وقيل : أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك ، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه . وقيل : رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات . وقال الضحاك : لا تقبل صلاة إلا به ، ولا تجوز خطبة إلا به . وقال مجاهد : يعني التأذين . وفيه يقول حسان بن ثابت « 1 » : أغرّ عليه للنبوّة خاتم * من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبيّ إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وقيل : رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله . وقيل : عام في كل ما ذكر ، وهذا أولى وكم من موضع في القرآن يذكر فيه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من ذلك قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] . وقوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ [ الأحزاب : 71 ] . وقوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ المائدة : 92 ] . ولما كان المشركون يعيرونه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم ، ذكره ما أنعم الله به عليه من جلائل النعم ، ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدّة فقال تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ، أي : ضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم يُسْراً ، أي : كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يهمك ، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا . فإن قيل : إنّ مع للصحبة فما معنى اصطحاب العسر واليسر ؟ أجيب : بأن الله تعالى أراد أن يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية وتقوية القلوب . وقوله تعالى : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً استئناف وعد الله تعالى بأن العسر متبوع بيسر آخر
--> ( 1 ) الأبيات من الطويل ، وهي في ديوان حسان بن ثابت ص 338 .