الخطيب الشربيني

642

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

كثواب الآخرة ، كقولك : للصائم فرحة ، ثم فرحة ، أي : فرحة عند الإفطار وفرحة عند لقاء الرب ، ويجوز أن يراد باليسرين ما تيسر من الفتوح في أيام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وما تيسر لهم أيام الخلفاء وقيل : تكرير . فإن قيل : ما معنى قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنهما : لن يغلب عسر يسرين ، وقد روي مرفوعا أنه صلى اللّه عليه وسلم « خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول : لن يغلب عسر يسرين » « 1 » أجيب : بأن هذا حمل على الظاهر وبناء على قوّة الرجاء ، وأنّ موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه ، والقول عنه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر في قوله تعالى : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المرسلات : 15 ] لتقرير معناها في النفوس ، وتمكينها في القلوب ، وكما تكرر المفرد في قولك : زيد زيد . وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردف بيسر لا محالة ، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف . وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد ، وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو ، لأنّ حكمه حكم زيد في قولك : إنّ مع زيد مالا إنّ مع زيد مالا ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا . وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأوّل بغير إشكال ، أو بأن لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين فيها واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم غير زائل ، أي : لا يجتمعان في الغلبة كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « شهرا عيد لا ينقصان » « 2 » ، أي : لا يجتمعان في النقصان . فإن قيل : فما معنى التنكير ؟ أجيب : بأنه للتفخيم ، كأنه قيل : إنّ مع العسر يسرا عظيما وأي يسر . روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه » « 3 » . وللطبراني عنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لو كان العسر في جحر لدخل اليسر حتى يخرجه » . ثم قرأ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الآية « 4 » . ولما عدد تعالى على نبيه صلى اللّه عليه وسلم نعمه السابقة ووعده الآنفة حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة بقوله تعالى : فَإِذا فَرَغْتَ قال ابن عباس رضي الله عنهما : فرغت من صلاتك المكتوبة فَانْصَبْ ، أي : انصب في الدعاء . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل . وقال الشعبيّ : إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك . وقال الحسن

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الجهاد حديث 6 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصيام حديث 1089 ، وأبو داود في الصوم حديث 2323 والترمذي في الصوم حديث 692 ، وابن ماجة في الصيام حديث 1659 . ( 3 ) انظر الحاشية التالية . ( 4 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 10 / 85 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 139 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 2948 ، 3063 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 364 ، وابن حجر في فتح الباري 8 / 712 ، والقرطبي في تفسيره 20 / 107 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 213 .