الخطيب الشربيني
577
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
سورة الانشقاق مكية ، وهي ثلاث أو خمس وعشرون آية ومائة وسبع كلمات وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الذي شقق الأرض بالنبات الرَّحْمنِ الذي عمّ جوده أهل الأرض والسماوات الرَّحِيمِ الذي خص أهل طاعته بالجنات . [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 1 إلى 15 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ( 2 ) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ( 3 ) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ( 4 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ( 5 ) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( 6 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ( 15 ) وقوله تعالى : إِذَا السَّماءُ أي : على ما لها من الإحكام والعظمة انْشَقَّتْ كقوله تعالى : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] في إضمار الفعل وعدمه ، وفي إذا هذه احتمالان : أحدهما : أن تكون شرطية ، والثاني : أن تكون غير شرطية . فعلى الأوّل في جوابها أوجه : أحدها : أنه محذوف ليذهب المقدر كل مذهب ، أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار ، وهو قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ [ الانفطار : 5 ، وسورة التكوير : 14 ] والثاني : جوابها ما دل عليه فَمُلاقِيهِ الثالث : أنه يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ على حذف الفاء ، وعلى كونها غير شرطية فهي مبتدأ ، وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة ، تقديره : وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض ، أي : يقع الأمران في وقت . قاله الأخفش . وقيل : إنه منصوب مفعولا به بإضمار اذكر انشقاقها بالغمام ، وهو من علامات القيامة كقوله تعالى : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] وعن عليّ تنشق من المجرّة . قال ابن الأثير : المجرّة هي البياض المعترض في السماء والسراب من جانبها . وَأَذِنَتْ أي : سمعت وأطاعت في الانشقاق لِرَبِّها أي : لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي ورد عليه الأمر من جهة المطاع ، فأنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع ، كقوله : أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 110 ] وَحُقَّتْ أي : حق لها أن تسمع وتطيع بأن تنقاد ولا تمتنع . يقال : حق بكذا فهو محقوق وحقيق . وَإِذَا الْأَرْضُ أي : على ما لها من الصلابة مُدَّتْ أي : زيد في سعتها كمدّ الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل ، كما قال تعالى : قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 -