الخطيب الشربيني
559
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فقال له صلى اللّه عليه وسلم : أهد عن كل واحدة منهنّ بدنة إن شئت » « 1 » . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بيدها ملطخا بدمائه فيقول : يا رب هذه أمّي وهذه قتلتني » « 2 » . وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ أي : فتحت بعد أن كانت مطوية ، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير وشر تطوى بالموت ، وتنشر في القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] . وروي عن عمر أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يحشر الناس حفاة عراة » فقالت أمّ سلمة : كيف بالنساء ؟ فقال : « شغل الناس يا أمّ سلمة » . قالت : وما يشغلهم ، قال : « نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ، ومثاقيل الخردل » « 3 » . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين والباقون بتشديدها على تكرير النشر للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع وقيل لتكرير ذلك من الإنسان . وَإِذَا السَّماءُ أي : هذا الجنس كله أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي . كُشِطَتْ أي : نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة والغطاء عن الشيء . قال القرطبي : يقال : كشطت البعير كشطا نزعت جلده ولا يقال سلخت لأنّ العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته ، والمعنى : أزيلت عما فوقها . وقال القرطبي : طويت . وَإِذَا الْجَحِيمُ أي : النار الشديدة التأجج سُعِّرَتْ أي : أججت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها يقال سعرت النّاء وأسعرتها . روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة » « 4 » واحتج بهذه الآية من قال : النار مخلوقة الآن لأنه يدل على أنّ سعيرها معلق بيوم القيامة . وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين والباقون بتخفيفها . وَإِذَا الْجَنَّةُ أي : البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة أُزْلِفَتْ أي : قرّبت لأهلها ليدخلوها . قال الحسن : إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها . وقال عبد الله بن زيد : زينت والزلفى في كلام العرب القربة . وقوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ جواب إذا أوّل السورة وما عطف عليها ، أي : علمت كل نفس من النفوس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة ، فالتنكير فيه مثله في تمرة خير من جرادة ، ودلالة هذا السياق للهول على ذلك يوجب اليقين فيه ما أي : كل شيء أَحْضَرَتْ من خير وشر . روي عن ابن عباس وعمر أنهما قرأا فلما بلغا عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ قالا : لهذا
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8 / 116 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 134 ، والقرطبي في تفسيره 19 / 233 . ( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 234 . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 234 . ( 4 ) أخرجه الترمذي في صفة جهنم حديث 2591 ، وابن ماجة حديث 4320 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 4 / 464 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 39483 .