الخطيب الشربيني

560

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أجريت القصة . قال الرازي : ومعلوم أنّ العمل لا يمكن إحضاره فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها ، أو ما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال . وعن ابن مسعود : أنّ قارئا قرأها عنده ، فلما بلغ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ قال : واقطع ظهراه . فَلا أُقْسِمُ لا مزيدة ، أي : أقسم بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ هي النجوم الخمسة زحل والمشتري والمرّيخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون ، أي : ترجع في مجراها وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعا إلى أوّله ، وتكنس بكسر النون تدخل في كناسها ، أي : تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها رجوعها ، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس . وقيل : هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل ، أي : تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها . وَاللَّيْلِ أي : الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها إِذا عَسْعَسَ قال البغوي : قال الحسن : أقبل بظلامه . وقال آخرون : أدبر ، تقول العرب عسعس الليل وسعسع إذا أدبر ، ولم يبق منه إلا القليل . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي : امتدّ حتى يصير نهارا بينا ، يقال للنهار إذا زاد تنفس ، ومعنى التنفس : خروج النسيم من الجوف ، وفي كيفية المجاز قولان : الأوّل : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على المجاز ، فقيل : تنفس الصبح . الثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرّك ، فإذا تنفس وجد راحة فهنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن ، فعبر عنه بالتنفس . وقوله تعالى : إِنَّهُ أي : القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هو المقسم عليه ، والمعنى : إنه لقول رسول عن الله تعالى كريم على الله تعالى ، أي : انتفت عنه وجوه المذامّ كلها ، وثبت له وجوه المحامد كلها ، وهو جبريل عليه السلام . وأضاف الكلام إليه لأنه قاله عن الله عز وجلّ . ذِي قُوَّةٍ أي : شديد القوى . روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : من قوّته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها ، وأبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدّسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند ، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ، ويهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطرف . عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ أي : الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عند في الحقيقة إلا له ، وهو الله سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : مَكِينٍ أي : ذي مكانة متعلق به عند ، أي : ذي منزلة ومكانة ليس عندية جهة بل عندية إكرام وتشريف كقوله تعالى : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » « 1 » وقيل : قويّ في أداء طاعة الله تعالى وترك الإخلال بها . مُطاعٍ ثَمَّ أي : في السماوات . قال الحسن : فرض الله تعالى على أهل السماوات طاعة جبريل عليه السلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال ابن عباس : « من طاعة جبريل عليه السلام الملائكة أنه لما أسري بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 290 ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة 117 ، 376 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 234 ، 449 .