الخطيب الشربيني
539
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال عبد الرحمن بن سابط : يدبر الأمر في الدنيا أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام ، فأما جبريل فوكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأرواح ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم ، وليس في الملائكة أقرب منه وبينه وبين العرش خمسمائة عام . وقيل : هي الكواكب السبع حكي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه . وفي تدبيرها بالأمور وجهان : أحدهما تدبير طلوعها وأفولها ، والثاني في تدبير ما قضى الله تعالى فيها من تقليب الأحوال أقسم سبحانه وتعالى بهذه الأمور على قيام الساعة والبعث ، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه ، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ، وأما العباد فلا يصح لهم أن يقسموا بغير الله تعالى وصفاته . وقوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ أي : تضطرب اضطرابا كثيرا مزعجا الرَّاجِفَةُ أي : الصيحة منصوب بالجواب ، أي : لتبعثنّ يا كفار مكة يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ وهي النفخة الأولى بها يرجف كل شيء ، أي : يتزلزل ويتحرّك لها كل شيء ، ويموت منها جميع الخلائق فوصفت بما يحدث منها . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أي : الصيحة التابعة لها وهي النفخة الثانية ، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة ، والجملة حال من الراجفة واليوم واسع للنفختين وغيرهما ، فصح ظرفيته للبعث الواقع عقيب الثانية . وقال قتادة رضي الله عنه : هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى ، وقال عطاء : الراجفة القيامة والرادفة البعث . روي عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال : « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال : يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه » « 1 » . قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى واجِفَةٌ أي : خائفة قلقة مضطربة من الوجيف وهو صفة القلوب ، وقال مجاهد رضي الله عنه : وجلة . وقال السدّي : زائلة عن أماكنها ، نظيره إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ [ غافر : 18 ] . أَبْصارُها أي : أبصار أصحابها ، فهو من الاستخدام خاشِعَةٌ أي : ذليلة من الخوف ، ولذا أضافها إلى القلوب ، كقوله تعالى : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ [ الشورى : 45 ] . يَقُولُونَ أي : أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ أي : بعد الموت فِي الْحافِرَةِ أي : في الحياة التي كنا فيها قبل الموت ، وهي حالتنا الأولى ، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا ، تقول العرب : رجع فلان في حافرته ، أي : رجع من حيث جاء ، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء وأوّل الشيء . وقال بعضهم : الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم ، سميت حافرة بمعنى المحفورة . كقوله تعالى : عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي : مرضية ، وقيل : سميت حافرة لأنها مستقرّ الحوافر ، أي : إنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها ، وقال ابن زيد : الحافرة النار . أَ إِذا كُنَّا أي : كونا صار جبلة لنا . عِظاماً نَخِرَةً أي : بالية متفتتة نحيى بعد ذلك ،
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة حديث 2457 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 2 / 500 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 256 ، والحاكم في المستدرك 2 / 513 .