الخطيب الشربيني

534

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

عَذاباً « 1 » أي : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] و كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [ الإسراء : 97 ] . ولما ذكر تعالى ما للكافرين أتبعه بذكر ما للمؤمنين فقال تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 31 إلى 40 ] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) حَدائِقَ وَأَعْناباً ( 32 ) وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ( 36 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ( 40 ) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أي : مكان فوز في الجنة . وقوله تعالى : حَدائِقَ أي : بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مفازا بدل الاشتمال أو البعض أو بيان له وقوله تعالى : وَأَعْناباً أي : كروما عطف على مفازا . وَكَواعِبَ أي : جواري تكعب ثديهنّ جمع كاعب أَتْراباً أي : على سنّ واحد جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وقيل : الأتراب اللدات . وَكَأْساً دِهاقاً أي : خمرا مالئة محالها وفي القتال وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ والدهاق المترعة ودهق الحوض ملأه حتى قال : قطني ، وقال ابن عباس : مترعة مملوءة . وقال عكرمة : صافية . لا يَسْمَعُونَ فِيها أي : الجنة في وقت ما عند شرب الخمر وغيره من الأحوال لَغْواً أي : لغطا يستحق أن يلغى بأن يكون ليس له معنى ، وقوله تعالى : وَلا كِذَّاباً قرأه بالتخفيف الكسائي وبالتشديد الباقون ، أي : تكذيبا من واحد لغيره بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر . جَزاءً مِنْ رَبِّكَ أي : المحسن إليك بما أعطاك جزاهم بذلك جزاء . وقوله تعالى : عَطاءً بدل من جزاء وهو اسم مصدر وجعله الزمخشري منصوبا بجزاء نصب المفعول به ، وردّه أبو حيان بأنه جعل جزاء مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة التي هي إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ قال : والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه لا ينحل لحرف مصدري والفعل ولا نعلم في ذلك خلافا حِساباً أي : كافيا وافيا يقال : أحسبت فلانا أي : أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي . وقال ابن قتيبة أي : عطاء كثيرا ، وقيل : جزاء بقدر أعمالهم . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ برفع رب والرحمن وابن عامر وعاصم بخفضهما والآخران بخفض الأول ورفع الثاني . أما رفعهما فمن أوجه : أحدها : أن يكون رب خبر مبتدأ مضمر أي : هو رب والرحمن كذلك ، أو مبتدأ خبره لا يملكون ، ثانيها : أن يجعل رب مبتدأ والرحمن خبره ، ولا يملكون خبرا ثانيا أو مستأنفا ، ثالثها : أن يكون ربّ مبتدأ والرحمن نعته ، ولا يملكون خبر رب . رابعها : أن يكون رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثانيا ولا يملكون خبره ، والجملة خبر الأوّل ، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه وهو رأي الأخفش ، ويجوز أن يكون لا يملكون حالا وتكون لازمة .

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1 / 310 .