الخطيب الشربيني
535
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وأما جرّهما فعلى البيان والنعت أو يجعل رب السماوات تابعا للأوّل والرحمن تابعا للثاني ، وأما جرّ الأوّل فعلى التبعية للأوّل . ورفع الثاني ، فعلى الابتداء والخبر الجملة الفعلية وهي لا يملكون أي : الخلق . مِنْهُ أي : من الله تعالى خِطاباً والضمير في لا يملكون لأهل السماوات والأرض أي : ليس في أيديهم ما يخاطب به الله ، ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرّف الملاك ، فيزيدون فيه أو ينقصون منه أولا يملكون أن يخاطبوا بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه . وقوله تعالى : يَوْمَ متعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ وقوله تعالى : صَفًّا حال أي : مصطفين ، والروح أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقا أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا ، فيكون عظم خلقه مثلهم ، وقال الشعبي : هو جبريل عليه السلام ، وقيل : ملك موكل على الأرواح . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده . وقال مجاهد وقتادة رضي الله عنهم : الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند . وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم ، وقال الحسن رضي الله عنه : هو بنو آدم ورواه قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال : هذا ما كان يكتمه ابن عباس ، وقيل : هو جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة ، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام . وقيل : أرواح بني آدم ، وقال زيد بن أسلم : هو القرآن ، وقرأ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] وإذا كان هؤلاء لا يَتَكَلَّمُونَ وهم من أفضل الخلق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه تعالى لا يملكون التكلم ، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض ، ويجوز رجوع الضمير للخلق أجمعين . إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ أي : في الكلام إذنا خاصا الرَّحْمنُ أي : الملك الذي لا تكون النعمة إلا منه وَقالَ قولا صَواباً في الدنيا أي : حقا من المؤمنين والملائكة وهما شريطتان : أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام ، وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى . لقوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وقيل : القول الصواب لا إله إلا الله . ذلِكَ أي : المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلوّ منزلته الْيَوْمُ الْحَقُّ أي : الكائن لا محالة وهو يوم القيامة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ أي : المحسن إليه مَآباً أي : مرجعا وسبيلا لطاعته ليسلم من العذاب في ذلك اليوم ، فإنّ الله تعالى جعل لهم قوة واختيارا ، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله تعالى . إِنَّا أي : على ما لنا من العظمة أَنْذَرْناكُمْ أي : يا كفار مكة عَذاباً قَرِيباً أي : عذاب يوم القيامة الآتي وكل آت قريب ، وقوله تعالى : يَوْمَ ظرف لعذابا بصفته يَنْظُرُ الْمَرْءُ أي : كل امرئ سواء كان مؤمنا أو كافرا نظرا لا مرية فيه ما أي : الذي قَدَّمَتْ يَداهُ أي : كسبه في