الخطيب الشربيني
530
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور . قال الشاعر « 1 » : وكم لظلام الليل عندي من يد * تخبر أنّ المانوية تكذب ولما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا فقال تعالى : وَجَعَلْنَا أي : بما لنا من القدرة التامّة النَّهارَ أي : الذي آيته الشمس مَعاشاً أي : حياة تبعثون فيه عن نومكم ، أو وقت معاش تتقلبون فيه في حوائجكم ومكاسبكم لتحصيل ما تعيشون به فمعاشا على هذا اسم زمان . وَبَنَيْنا بما لنا من الملك التامّ فَوْقَكُمْ سَبْعاً أي : سبع سماوات وقوله تعالى : شِداداً جمع شديدة أي : قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان لا فطور فيها ولا فروج . ونظيره قوله تعالى : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [ الأنبياء : 32 ] . وَجَعَلْنا أي : بما لنا من العظمة مما لا يقدر عليه غيرنا سِراجاً أي : منيرا متلألئا وَهَّاجاً أي : وقادا وهي الشمس . وَأَنْزَلْنا أي : بما لنا من كمال الأوصاف مِنَ الْمُعْصِراتِ أي : السحاب إذا أعصرت أي : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ، كقولك : أجز الزرع أي : حان أن يجز ، وأعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض . وعن الحسن وقتادة : هي السماوات ، وتأويله أنّ الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأنّ السماوات عصرن . وقيل : من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب . وقيل : الرياح ذوات الأعاصير ، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه . ماءً ثَجَّاجاً أي : منصبا بكثرة يقال : ثجه وثج بنفسه . وفي الحديث : « أفضل الحج العج والثج » « 2 » أي : رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي ، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثجا يسيل غربا ، يعني : يثج الكلام ثجا في خطبته . لِنُخْرِجَ أي : بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب بِهِ أي : بذلك الماء حَبًّا أي : نجما ذا حب مما يتقوّت به كالحنطة والشعير والأرز وَنَباتاً أي : ما يعتلف به كالتبن والحشيش ، كما قال تعالى : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 54 ] وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ [ الرحمن : 12 ] . وَجَنَّاتٍ أي : بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره أَلْفافاً أي : ملتفة بالشجر جمع لفيف كشريف وأشراف . وقيل : هو جمع الجمع ، يقال : جنة لفاء وجمعها لف بضم اللام وجمع الجمع ألفاف . وقيل : لا واحد له كالأوزاع والأخياف . وقيل : الواحد لف . قال صاحب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي « 3 » : جنة لف وعيش مغدق * وندامى كلهم بيض زهر وقال الزمخشري : ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها .
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الحج حديث 827 ، وابن ماجة حديث 2896 ، 2924 ، والدارمي في المناسك باب 8 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 330 ، والحاكم في المستدرك 1 / 450 . ( 3 ) البيت بلا نسبة في الكشاف للزمخشري 4 / 687 .