الخطيب الشربيني
531
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ أي : بين الخلائق كانَ أي : في علم الله تعالى وفي حكمه كونا لا بدّ منه مِيقاتاً أي : وقتا للثواب والعقاب ، أو وقتا توقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق . وقوله تعالى : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي : القرن بدل من يوم الفصل أو بيان له ، والنافخ إسرافيل عليه السلام أو من أذن الله تعالى له في ذلك فَتَأْتُونَ أي : بعد القيام من القبور إلى الموقف أَفْواجاً أي : جماعات مختلفة . وعن معاذ أنه سأل عنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه باكيا ، وقال : تحشر عشرة أصناف من أمّتي ، بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عميا ، وبعضهم صما بكما ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم ، يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم . ثم فسر هؤلاء بقوله : فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني : النمام ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ، وأما المنكبون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم فعلهم ، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين أشدّ نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى في أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء » « 1 » ا . ه . وقد تكلم في صحة هذا الحديث نعوذ بالله تعالى من هؤلاء ونسأله التوفيق لنا ولأحبابنا ، فإنه كريم جواد لا يردّ من سأله . وَفُتِحَتِ السَّماءُ أي : شققت لنزول الملائكة فَكانَتْ أَبْواباً فإن قيل : هذه الآية تقتضي أنّ السماء بجملتها تصير أبوابا ؟ أجيب بوجوه أوّلها : أنّ تلك الأبواب لما كثرت صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة ، كقوله تعالى : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] كأنّ كلها عيون تتفجر . ثانيها : أنه على حذف مضاف ، أي : فكانت ذات أبواب . ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى : فَكانَتْ أَبْواباً يعود إلى مضمر ، والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا ، وقيل : الأبواب الطرق والمسالك أي : تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف التاء بعد الفاء والباقون بتشديدها . وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي : ذهب بها عن أماكنها فَكانَتْ سَراباً أي : لا شيء كما أنّ السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء ، قال الرازي : إنّ الله تعالى ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الاندكاك وهو قوله تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ الحاقة : 14 ] والحالة الثانية : أن تصير كالعهن المنفوش وهو قوله تعالى : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] والحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وهو قوله تعالى :
--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 19 / 175 .