الخطيب الشربيني
529
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
السكت بخلاف عنه ، والضمير في يتساءلون لأهل مكة ، كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم . وذلك أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون : ماذا جاء به محمد ، ويسألون الرسول والمؤمنين عنه استهزاء ، وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا وكانوا جميعا يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء . ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا ؟ فقال تعالى : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ قال مجاهد والأكثرون : هو القرآن ، دليله قوله تعالى : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [ ص : 67 ] وقال قتادة : هو البعث . فإن قيل : إذا كان الضمير يرجع للكافر ، فكيف يكون قوله تعالى : الَّذِي هُمْ أي : بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوى الضمائر فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مع أنّ الكفار كانوا متفقين على إنكار البعث ؟ أجيب : بأنا لا نسلم اتفاقهم على ذلك بل كان فيهم من يثبت المعاد الروحاني وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني فمنهم من يقطع القول بإنكاره ومنهم من يشك ، وأما إذا كان المتساءل عنه القرآن فقد اختلفوا فيه كثيرا وقيل : المتساءل عنه نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : كَلَّا ردع للمتسائلين هزؤا ، سَيَعْلَمُونَ ما يحل بهم على إنكارهم له . وقوله تعالى : ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد الثاني أشدّ من الأول . وقال الضحاك : الأولى للكفار والثانية للمؤمنين ، أي : سيعلم الكافرون عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم . ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث بقوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ أي : بما لنا من العظمة الْأَرْضَ مِهاداً أي : فراشا كالمهد للصبيّ وهو ما يمهد له فينوّم عليه تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير . وَالْجِبالَ أي : التي تعرفون شدّتها وعظمها . أَوْتاداً أي : تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد ، والاستفهام للتقرير ، فيستدل بذلك على قدرته على جميع الممكنات . وإذا ثبت ذلك ثبت القول بصحة البعث ، وأنه قادر على تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة . تنبيه : مهادا مفعول ثان لأنّ الجعل بمعنى التصيير ، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق فتكون حالا مقدّرة . وَخَلَقْناكُمْ أي : بما دل على ذلك من مظاهر العظمة أَزْواجاً أي : أصنافا ذكورا وإناثا وقيل : ألوانا . وَجَعَلْنا أي : بما لنا من العظمة نَوْمَكُمْ سُباتاً أي : راحة لأبدانكم . قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه . وقيل : معناه جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم وقيل : المسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة والنوم أحد التوفيتين . وقوله تعالى : وَجَعَلْنَا أي : بما لنا من العظمة اللَّيْلَ أي : بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن لِباساً فيه استعارة أي : يستركم عن العيون بظلمته كما إذا أردتم هربا من عدوّ أو بياتا له