الخطيب الشربيني

519

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يقولون : إنا نخلق أفعالنا ، ومذهب الجبرية القائلين : لا فعل لنا أصلا ، ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدّد سكينة وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه ، ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك ، ولو وضع عليها ما لا يصلح للقطع كحطبة مثلا لم تقطع ولو تحامل ، فالعبد كالسكين خلقه الله تعالى وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل ، فمن قال : أنا أخلق فعلي مستقلا به فهو كمن قال : السكين تقطع بمجرّد وضعها من غير تحامل ، ومن قال : الفاعل هو الله من غير نظر إلى العبد أصلا كان كمن قال : هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين ، والذي يقول : إنه باشر بقدرته المهيأة لفعل يخلقه الله تعالى لها في ذلك الفعل ، كمن قال : إنّ السكين قطعت بالتحامل عليها بهذا أجرى الله سبحانه وتعالى عادته في الناس ولو شاء غير ذلك فعل ، ولا يخفى أنّ هذا هو الحق الذي لا مرية فيه . ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ أي : المحيط علما وقدرة كانَ أي : أزلا وأبدا عَلِيماً أي : بما يستأهل كل أحد حَكِيماً أي : بالغ الحكمة فهو يمنع منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه فمن علم في جبلته خيرا أعانه عليه ، ومن علم منه الشرّ ساقه إليه وحمله عليه وهو معنى قوله تعالى : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ أي : ممن علمه من أهل السعادة فِي رَحْمَتِهِ أي : جنته وهم المؤمنون . وقوله تعالى وَالظَّالِمِينَ أي : الكافرين منصوب بفعل يفسره قوله تعالى : أَعَدَّ لَهُمْ مثل أوعد وكافأ ليطابق الجمل المعطوف عليها عَذاباً أَلِيماً أي : مؤلما فهم فيه خالدون أبد الآبدين . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا » « 1 » حديث موضوع .

--> ( 1 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 677 .