الخطيب الشربيني

506

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بأوجه منها أنه قصد بذلك التناسب لأنّ ما قبله وما بعده منوّن منصوب . ومنها أن الكسائي وغيره من أهل الكوفة حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفضل منك . وقال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأنّ الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها . وروي عن بعضهم أنه يقول : رأيت عمرا بالألف يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأيضا هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلا ، قالوا صواحب وصواحبات . وفي الحديث : « إنكن صواحبات يوسف » « 1 » ومنها أنه مرسوم في الإمام أي : مصحف الحجاز والكوفة بالألف ، رواه أبو عبيدة ورواه قالون عن نافع ، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف البصرة أيضا . وقال الزمخشري : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف ، والثاني : أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرّن لسانه على صرف غير المنصرف ا . ه . قال بعض المفسرين : وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة لا سيما على مشايخ الإسلام وأئمة العلماء الأعلام ، وأما من لم ينوّنه فوجهه ظاهر لأنه على صيغة منتهى الجموع وقولهم : قد جمع نحو صواحبات لا يقدح لأنّ المحذور جمع التكسير ، وهذا جمع تصحيح ، وأما من لم يقف بالألف فواضح . ولما أوجز في جزاء الكافر أتبعه جزاء الشاكر وأطنب تأكيدا للترتيب فقال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ جمع برّ كأرباب جمع رب أو بار كأشهاد جمع شاهد ، وفي الصحاح وجمع البار البررة وهم الصادقون في أيمانهم المطيعون لربهم الذين سمت همتهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة ، وروى ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما سماهم الله تعالى الأبرار ؛ لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق » « 2 » . وقال الحسن رضي الله عنه : البرّ الذي لا يؤذي الذرّ . وقال قتادة رضي الله عنه : الأبرار الذين يؤدّون حق الله ويوفون بالنذر . وفي الحديث « الأبرار الذين لا يؤذون أحدا » « 3 » . يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحالّ باسم المحل ومن للتبعيض كانَ مِزاجُها أي : ما تمزج به كافُوراً لبرده وعذوبته وطيب عرفه ، وذكر فعل الكون يدل على أنّ له شأنا في المزج عظيما يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد ، والكافور نبت معروف وكان اشتقاقه من الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته والكافور أيضا كمام الشجر الذي هو ثمرتها ، والكافر البحر ، والكافر الليل ، والكافر الساتر لنعم الله تعالى ، والكافر الزارع لتوريته الحب في الأرض ، قال الشاعر « 4 » : وكافر مات على كفره * وجنة الفردوس للكافر

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 664 ، ومسلم في الصلاة حديث 418 ، والترمذي في المناقب حديث 3672 ، والنسائي في الإمامة حديث 833 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1232 . ( 2 ) أخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال 5405 ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 4 / 1630 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 45492 ، وابن كثير في تفسيره 2 / 167 ، 8 / 366 . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 125 . ( 4 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .