الخطيب الشربيني
507
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والكفارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة ، والكافور : ماء جوف الشجر مكفور فيغرزونه بالحديد فيخرج إلى ظاهر الشجر فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار . فإن قيل : مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذا فما السبب في ذكره ؟ أجيب : بأوجه : أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الكافور اسم عين في الجنة يقال لها عين الكافور ، أي : يمازجها ماء هذه العين التي تسمى كافورا في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرّته . ثانيها : أنّ رائحة الكافور عرض ، والعرض لا يكون إلا في جسم فخلق الله تعالى تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب ، فسمي ذلك الجسم كافورا وإن كان طعمه طيبا فيكون الكافور ريحها لا طعمها . ثالثها : أنّ الله تعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم طيب لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة ، ثم إنه تعالى يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضارّ وقال سعيد عن قتادة رضي الله عنهم : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك . وقيل : يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه فكأنها مزجت بالكافور . وقوله تعالى : عَيْناً في نصبه أوجه : أحدها : أنه بدل من كافُوراً لأنّ ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرده واقتصر على هذا الجلال المحلي . الثاني : أنه بدل من محل مِنْ كَأْسٍ قاله مكي ولم يقدّر حذف مضاف ، وقدّر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف ، قال : كأنه قيل : يشربون خمرا خمر عين . الثالث : أنه نصب على الاختصاص قاله الزمخشري . الرابع : أنه بإضمار أعني قاله القرطبي ، وقيل : غير ذلك . يَشْرَبُ بِها قال الجلال المحلي : منها . وقال البقاعي : أي : بمزاجها . وقال الزمخشري : بها الخمر ، قال : كما تقول شربت الماء بالعسل والأوّل أوضح . عِبادُ اللَّهِ أي : أولياؤه . فإن قيل : الكفار عباد الله وهم لا يشربون منها بالاتفاق ؟ أجيب : بأنّ لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان ولكن يشكل بقوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] فإنه يصير تقدير الآية ولا يرضى لعبادة المؤمنين الكفر مع أنه سبحانه لا يرضى الكفر للكافر ولا لغيره ، وقد يجاب بأنّ هذا أكثري لا كلي ، أو يقال : حيث أضيف العباد أو العبد إلى اسم الله الظاهر سواء كان بلفظ الجلالة أم لا فالمراد به المؤمن ، وإن أضيف إلى ضميره تعالى فيكون بحسب المقام ، فتارة يختص بالمؤمن كقوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] وتارة يعمّ كقوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وقوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الحجر : 49 ] يُفَجِّرُونَها أي : يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم وإن علت تَفْجِيراً سهلا لا يمتنع عليهم . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 7 إلى 15 ] يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 ) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 )