الخطيب الشربيني

496

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

العجلة ، وقال جماعة من المفسرين : حقا ، والأوّل جرى عليه الجلال المحلي وهو أظهر . بَلْ تُحِبُّونَ متجدّدة على تجدد الزمان الْعاجِلَةَ بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه ، فإنّ الآخرة والأولى ضرتان من تقرب من أحدهما لا بدّ من تباعده عن الأخرى ، فإن حبك للشيء يعمي ويصم . وَتَذَرُونَ أي : يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن الْآخِرَةَ لأنهم يبغضونها لارتكابهم ما يضرّهم فيها وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع الإنسان للمعنى . وقرأ يُحِبُّونَ * و وَيَذَرُونَ * ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بياء الغيبة فيهما حملا على لفظ الإنسان المذكور أوّلا ؛ لأنّ المراد به الجنس ، لأنّ الإنسان بمعنى الناس والباقون بتاء الخطاب فيهما إما خطابا لكفار قريش أي : تحبون يا كفار قريش العاجلة أي : الدار الدنيا والجاه فيها وتتركون الآخرة والعمل لها ، وإما التفاتا عن الإخبار عن الجنس المتقدّم والإقبال عليه بالخطاب . ولما ذكر تعالى الآخرة التي أعرضوا عنها ذكر ما يكون فيها بيانا لجهلهم وسفههم وقلة عقولهم وترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ورحمة لهم فقال تعالى : وُجُوهٌ أي : من المحشورين وهم جميع الخلائق يَوْمَئِذٍ أي : إذ تقوم الساعة ناضِرَةٌ من النضرة بالضاد وهي النعمة والرفاهية أي : هي بهية مشرقة عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها . إِلى رَبِّها أي : المحسن إليها خاصة باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر ناظِرَةٌ أي : دائما هم محدقون أبصارهم لا غفلة لهم عن ذلك ، فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل التعدّي بإلى ، وذلك النظر جهرة من غير اكتتام ولا تضامّ ولا زحام كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأكثر المفسرين ، وجميع أهل السنة ، وروي عن النبيّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة ، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث كما يرى القمر ليلة البدر أي : كل من يريد رؤيته من بيته يراه مجليا له ، هذا وجه الشبه ، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه تعالى الله الكريم عن التشبيه . فمن تلك الأحاديث ما روي عن جرير بن عبد الله قال : « خرج علينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها « 1 » [ طه : 130 ] . وفي كتاب النسائي عن وهب قال : « ينكشف الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم شيئا أحبّ إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم » « 2 » . وعن جابر قال : « قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : يتجلى ربنا عز وجل حتى ننظر إلى وجهه فيخرون له سجدا فيقول تعالى : ارفعوا رؤوسكم ، فليس هذا يوم عبادة » « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4851 ، والترمذي في الجنة حديث 2551 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الجنة حديث 2552 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 187 . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 105 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 292 .