الخطيب الشربيني

497

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقدم الجارّ الدال على الاختصاص إشارة إلى أنّ هذا النظر مباين للنظر إلى غيره ، فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه وعبر بالوجوه عن أصحابها ؛ لأنها أدل ما يكون على السرور ، وليكون ذكرها أصرح في أنّ المراد بالنظر حقيقته . روى مسلم في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] كان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية . وأنكر الرؤية المعتزلة ، واحتجوا بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ويقولون : النظر المقرون بإلى ليس اسما للرؤية بل لمقدّمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئيّ التماسا لرؤيته ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ، ويدل على ذلك قوله تعالى : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ الأعراف : 198 ] فأثبت النظر حال عدم الرؤية ، فتكون الرؤية غاية النظر وأنّ النظر يحصل والرؤية غير حاصلة . قالوا : ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى : ناظِرَةٌ منتظرة كقولك أنا أنظر إليك في حاجتي . وأجيب عن استدلالهم بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ بأن لا تدركه بالإحاطة والجهة فلا يكون ذلك مانعا للرؤية على هذا الوجه وعن بقية استدلالهم بما ذكروه بجوابين : أحدهما : أن نقول : النظر هو الرؤية لقول موسى عليه السلام أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان ، ولأنه أخر النظر عن الإراءة فلا يكون تقليب الحدقة . الجواب الثاني : سلمنا ما ذكرتموه من أنّ النظر تقليب الحدقة تعذر حمله على الحقيقة فيجب حمله على الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة ؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ، ولا تعلق بينه وبين الانتظار . وأمّا قولهم بحمله على الانتظار فأجيب عنه أيضا بأن الذي هو بمعنى الانتظار في القرآن غير مقرون بإلى ، كقوله تعالى : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ الحديد : 13 ] والذي ندعيه أن النظر المقرون بإلى ليس إلا بمعنى الرؤية ؛ لأنّ وروده بمعنى الرؤية ظاهر فلا يكون بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك . ولما ذكر تعالى أهل النعمة أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال سبحانه وتعالى : [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 24 إلى 40 ] وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي : في ذلك اليوم بعينه باسِرَةٌ أي : شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه . وقال السدي : باسِرَةٌ متغيرة . تَظُنُّ أي : يتوقع أربابها بما ترى من المخايل أَنْ يُفْعَلَ بِها أي : بهم فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى فاقِرَةٌ وهي الداهية العظيمة ، قال أبو عبيدة : سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر يقال : فقرته الفاقرة أي : كسرت فقار ظهره ومنه سمي