الخطيب الشربيني

475

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وفي رواية : « فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي » وذكره ثم حمي الوحي وتتابع . فإن قيل : إنّ هذا الحديث دال على أنّ سورة المدثر أوّل ما نزل ، ويعارضه حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه : « فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 5 ] فرجع بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده » « 1 » الحديث ؟ أجيب : بأنّ الذي عليه العلماء أنّ أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ كما صرّح به في حديث عائشة . ومن قال : إنّ سورة المدثر أوّل ما نزل من القرآن فضعيف ، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرّح به في رواية الزهريّ عن أبي سلمة عن جابر ، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى أن قال : « وأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » ، ويدل عليه قوله أيضا : « فإذا الملك الذي جاءني بحراء » . وحاصله : أنّ أوّل ما نزل من القرآن على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأنّ أوّل ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر ، وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين . قوله : « فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض » يريد به السرير الذي يجلس عليه . وقوله : « يحدّث عن فترة الوحي » أي : عن احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول وقوله : « فجئثت منه » روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير ، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها فرعبت منه وفزعت ، وقوله : « حمي الوحي وتتابع » أي : كثر نزوله وازداد بعد فترته من قولهم : حميت الشمس والنار إذا ازداد حرّها . وقوله : « وصبوا عليّ ماء باردا » فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصبّ عليه الماء ليسكن فزعه . وأصل المدّثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها ، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وإنما سمي مدّثرا لوجوه : أحدها : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « دثروني » . وثانيها : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان نائما متدثرا بثيابه فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ أي : حذر الناس من العذاب إن لم يؤمنوا ، والمعنى : قم من مضجعك واترك التدثر بالثياب ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله عز وجل له . وثالثها : أنّ الوليد بن المغيرة وأبا جهل وأبا لهب والنضر بن الحرث اجتمعوا وقالوا : إنّ وفود العرب يجتمعون في أيام الحج وهم يسألون عن أمر محمد وقد اختلفتم في الإخبار عنه ، فمن قائل هو مجنون وقائل ساحر وقائل كاهن ، وتعلم العرب أنّ هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة سموا محمدا باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به ، فقام رجل منهم فقال : إنه شاعر ، فلما سمع صلى اللّه عليه وسلم ذلك اشتدّ عليه ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . وقيل : إنه ليس المراد التدثر بالثياب وعلى هذا ففيه وجوه أيضا : أحدها : قال عكرمة : المعنى : يا أيها المدّثر بالنبوّة والرسالة من قولهم ألبسه الله لباس

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي حديث 3 .