الخطيب الشربيني
476
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
التقوى وزينه برداء العلم . قال ابن العربي : وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبيا بعد أي : على القول بأنها أوّل سورة نزلت ، وأمّا على أنها نزلت بعد فترة الوحي فليس ببعيد . وثانيها : أنّ المدّثر بالثوب يكون كالمختفي فيه ، وهو صلى اللّه عليه وسلم كان في جبل حراء كالمختفي من الناس فكأنه قال : يا أيها المدّثر بدثار الاختفاء قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق والدعوة إلى معرفة الحق . وثالثها : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين فكأنه قيل له : يا أيها المدّثر بأثواب العلم العظيم والخلق الكريم والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك ، وعلى كلا القولين في ندائه ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته ولم يقل : يا محمد . وَرَبَّكَ أي : خاصة فَكَبِّرْ أي : عظمه عما يقول عبدة الأوثان وصفه بأنه أكبر من أن تكون له صاحبة أو ولد ، وفي الحديث أنهم قالوا بم تفتتح الصلاة ؟ فنزل وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي : صفه بأنه أكبر . قال ابن العربي : وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة ، فإنه يرادفه تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه . وروي أنّ أبا سفيان قال يوم أحد : اعل هبل وهو اسم صنم كان لهم فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : قولوا الله أعلى وأجل « 1 » ، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا يقول : الله أكبر ، وحمل عليه لفظ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الوارد على الإطلاق مواردها منها قوله : « تحريمها التكبير وتحليلها التسليم » « 2 » ، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعزمه . ومن موارده أوقات الإهلال بالله تعالى تخليصا له من الشرك وإعلاما باسمه بالنسك وإفرادا لما شرع من أمره بالنسك ، والمنقول عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ الله أكبر . وقال المفسرون : لما نزل قوله تعالى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ قام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وقال : « الله أكبر » فكبرت خديجة رضي الله تعالى عنها وفرحت وعلمت أنه وحي من الله تعالى » « 3 » ذكره القشيري ، وقال مقاتل : هو أن يقال الله أكبر ، وقيل : المراد منه التكبير في الصلاة ، واستشكل ذلك على القول بأنها أوّل سورة نزلت ، فإنّ الصلاة لم تكن فرضت . وأجيب : بأنه يحتمل أنه صلى اللّه عليه وسلم كان له صلوات تطوّع فأمر أن يكبر فيها . تنبيه : دخلت الفاء في قوله تعالى فَكَبِّرْ وفيما بعده لإفادة معنى الشرط كأنه قيل : وما يكن فكبر ربك أو للدلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه ، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصانع ، وأوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه والقوم كانوا مقرّين به . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي : من النجاسات لأنّ طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى والأحبّ في غير الصلاة ، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا . قال الرازي : إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث احتمالات : الأوّل : قال الشافعي : المقصود من الآية الإعلام بأنّ الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 3039 ، وأحمد في المسند 1 / 463 ، 4 / 293 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الطهارة حديث 61 ، والترمذي في الطهارة حديث 3 . ( 3 ) انظر القرطبي في تفسيره 19 / 61 .