الخطيب الشربيني

386

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الأولى : نفي الجنون عنه ، ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها ، لأن قوله : بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يدل على أن نعم الله تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والبراءة من كل عيب والاتصاف بكل مكرمة ، وإذا كانت هذه النعم المحسوسة ظاهرة ووجودها ينافي حصول الجنون فالله تعالى نبه على أن هذه الدقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم مجنون . الصفة الثانية : قوله تعالى : وَإِنَّ لَكَ أي : على ما تحملت من أثقال النبوة وعلى صبرك عليهم فيما يرمونك به وهو تسلية له صلى اللّه عليه وسلم لَأَجْراً أي : ثوابا غَيْرَ مَمْنُونٍ أي : مقطوع ولا منقوص في دنيا ولا آخرة ، يقال : مان الشيء إذا ضعف . ويقال : مننت الحبل إذا قطعته ، وحبل منين إذا كان غير متين ، قال لبيد « 1 » : غبسا كواسب لا يمنّ طعامها أي : لا يقطع ، يصف كلابا ضارية . ونظيره قوله تعالى : غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : غير ممنون ، أي : غير محسوب عليك . قال الزمخشري : لأنه ثواب تستحقه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال ، انتهى . وهذا قول المعتزلة ، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء . وقال الحسن : غير مكدر بالمن . وقال الضحاك رضي الله تعالى عنه : أجرا بغير عمل . واختلفوا في هذا الأجر على أي شيء حصل ، فقيل : معناه ما مرّ وقيل : معناه أنّ لك على احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجرا عظيما دائما ، وقيل : إن لك في إظهار النبوة والمعجزات وفي دعاء الخلق إلى الله تعالى ، وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا تمنعنك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم ، فإن لك بسببه المنزلة العالية . الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ استعظم خلقه لفرط احتمال الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم ، قال ابن عباس ومجاهد : على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى ، ولا أرضى عنده منه ، وروى مسلم عن عائشة : « أنّ خلقه كان القرآن » « 2 » . وقال علي : هو أدب القرآن ، وقيل : رفقه بأمته وإكرامه إياهم ، وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من الله وينتهي عنه بما نهى الله تعالى عنه ، وقيل : إنك على طبع كريم ، وقيل : هو الخلق الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . وقال الماوردي : حقيقة الخلق في اللغة ما يأخذه الإنسان في نفسه من الأدب ، سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه ، فأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم ، فيكون الخلق الطبع المتكلف والخيم الطبع الغريزي .

--> ( 1 ) صدره : لمعفّر قهد تنازع شلوه والبيت من الكامل ، وهو للبيد في ديوانه ص 308 ، ولسان العرب ( قهد ) ، ( عفر ) ، ( منن ) ، وتهذيب اللغة 6 / 57 ، 13 / 348 ، وتاج العروس ( قهد ) ، ( عفر ) ، ( منن ) ، ومقاييس اللغة 4 / 67 ، ومجمل اللغة 3 / 384 ، وديوان الأدب 1 / 104 ، وكتاب الجيم 3 / 116 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 746 ، وأحمد في المسند 6 / 54 ، 91 ، 163 ، 188 ، 216 .