الخطيب الشربيني
364
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال مقاتل : وكان اسم امرأة نوح وآلهة واسم امرأة لوط والعة ، وقال الضحاك : عن عائشة : « إن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة واسم امرأة لوط وآلهة » . تنبيه : رسمت امرأة في الثلاثة وابنت بالتاء المجرورة ، فوقف عليهنّ بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ، ووقف الباقون بالتاء . وقوله تعالى : كانَتا أي : مع كونهما كافرتين تَحْتَ عَبْدَيْنِ جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل ، ولم يأت بضميرها فيقال : تحتهما ، أي : تحت نوح ولوط لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة قال القائل « 1 » : لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي ودلّ على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله تعالى : مِنْ عِبادِنا ووصفهما بأجل الصفات وهو قوله تعالى : صالِحَيْنِ واختلف في معنى قوله تبارك وتعالى : فَخانَتاهُما فقال عكرمة والضحاك : بالكفر . وعن ابن عباس : كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة من قومه ، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه ، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبيّ قط وإنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين ، وقيل : كانتا منافقتين ، وقيل : خيانتهما النميمة إذا أوحي إليهما شيء أفشتاه إلى المشركين ؛ قاله الضحاك ، وقيل : كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال فَلَمْ أي : فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم يُغْنِيا عَنْهُما ، أي : المرأتين بحق النكاح مِنَ اللَّهِ ، أي : من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره شَيْئاً أي : من إغناء لأجل خيانتهما وَقِيلَ أي : للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مردّ له ادْخُلَا النَّارَ ، أي : قيل لهما ذلك عند موتهما أو يوم القيامة مَعَ الدَّاخِلِينَ ، أي : سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء ، فلم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئا من عذاب الله تعالى وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما على أعلى وجه وأشده وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة وقيل : إن كفار مكة استهزؤا وقالوا : إن محمدا يشفع لنا فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار مكة وإن كانوا أقرباء ، كما لا ينفع نوح امرأته ولا لوط امرأته مع قربهما لهما لكفرهما . ثم شرع تعالى في ضرب المثل الثاني : فقال تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ ، أي : الملك الأعلى الذي له صفات الكمال مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ واسمها آسية وهي بنت مزاحم آمنت وعملت صالحا فلم تضرّها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ، ولا نفعه إيمانها ، كل امرئ بما كسب رهين وأثابها ربها تعالى أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد صلى اللّه عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على عبادة الله تعالى وهي في حبالة عدوّه وأسقط وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته له لأنه من أعدى أعدائه وقوله تعالى : إِذْ قالَتْ ظرف للمثل المحذوف ، أي : مثلهم مثلها حين قالت ضَرَبَ ، أي : أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً وبينت مرادها بالعندية فقالت : فِي الْجَنَّةِ أي : دار المقربين وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة أكمل خلقه محمد صلى اللّه عليه وسلم فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .