الخطيب الشربيني

365

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ أي : فلا أكون عنده وَعَمَلِهِ فلا تسلطه علي بما يضرني عندك في الآخرة فلا أعمل بشيء من عمله وهو شركه ، وقال ابن عباس : جماعه وَنَجِّنِي أعادت العامل تأكيدا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي : الناس الأقوياء العريقين الذين يضعون أعمالهم في غير موضعها ، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب ، وهو كليم الله موسى عليه السلام كما يقال : صديق صديقي داخل في صداقتي وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة ، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ فأبصرته من مرمرة بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما ، وقال الحسن وابن كيسان : رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب . وقوله تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي : عفت عن السوء وجميع مقدماته ، كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة جزاء لها بخير خلقه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال بعض المفسرين : أراد بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى : فَنَفَخْنا ، أي : بما لنا من العظمة بواسطة ملكنا جبريل عليه السلام فِيهِ ، أي : في جيب درعها . قال البقاعي : أو في فرجها الحقيقي ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل مِنْ رُوحِنا ، أي : من روح خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى عليه السلام وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ، أي : المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال مقاتل : يعني بالكلمات عيسى وأنه نبىّ وعيسى كلمة الله وقال البغوي : يعني الشرائع التي شرعها الله تعالى للعباد بكلماته المنزلة وقيل : هي قول جبريل عليه السلام لها إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [ مريم : 19 ] الآية ، وعلى كل قول استحقت أن تسمى لذلك صديقة ، وقرأ : وَكُتُبِهِ أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعا ، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء وبعدها ألف إفرادا والمراد منه الكثرة فالمراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو غيره . وقوله تعالى : وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ يجوز في مِنْ وجهان : أحدهما : أنها لابتداء الغاية . والثاني : أنها للتبعيض . وقد ذكرهما الزمخشري فقال : فمن للتبعيض ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما وعليها وعلى سائر الأنبياء وآلهم أجمعين . قال الزمخشري : فإن قلت لم قيل : من القانتين على التذكير ؟ قلت : لأن القنوت صفه تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه . وقيل : أراد من القوم القانتين ، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم كانوا مطيعين لله ، والقنوت : الطاعة ، وقال عطاء : من المصلين بين المغرب والعشاء . وعن معاذ بن جبل : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها : « إذا قدمت على ضرّاتك فأقرئيهنّ منى السلام مريم بنت عمران وآسية بنت