الخطيب الشربيني

338

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة ، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة ، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار . وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو مفرقة . وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد ، فأما مفرقا في الأطهار فلا لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : « ما هكذا أمر الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة » « 1 » وروي أنه قال لعمر : « مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض ، ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء » « 2 » وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة ، وهو مباح . ومالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت ، والشافعي يراعي الوقت وحده . قال الزمخشري : فإن قلت : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ قلت : نعم وهو آثم لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه فقال : أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم » « 3 » وفي حديث ابن عمر أنه قال : يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا فقال له : قال : « إذا عصيت وبانت منك امرأتك » « 4 » . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا ، وأجاز ذلك عليه . وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلّث لم يقع ، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف . فإن قيل : قوله تعالى : إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل ، فكيف صح تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن ؟ . أجيب : بأنه لا عموم ثم ولا خصوص ، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذلك ، فلما قيل : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض . ولما حدّ سبحانه ما يفعل في العدة أتبعه ما يفعل عند انقضائها بقوله تعالى : فَإِذا بَلَغْنَ أي : المطلقات أَجَلَهُنَّ أي : شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة فَأَمْسِكُوهُنَّ أي : بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق ما دون البائن لا سيما الثلاث بِمَعْرُوفٍ أي : حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاب عدة أخرى ، أو غير ذلك . أَوْ فارِقُوهُنَّ بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها بِمَعْرُوفٍ أي : بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع ، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلا ، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل . ( 3 ) أخرجه النسائي في الطلاق حديث 3401 بلفظ : « أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم » . ( 4 ) أخرجه مسلم في الطلاق حديث 1471 ، والنسائي في الطلاق حديث 3557 .