الخطيب الشربيني
339
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
غير مصلحة ، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات . تنبيه : قال بعض العلماء في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وقوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] إن الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ذمة غيره سواء أكان مالا ، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة ، أو بدل متلف ، أو ضمان مغصوب ، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان ، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 178 ] وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك ، فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان . ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة : وَأَشْهِدُوا أي : على الرجعة أو المفارقة ، وقيل : المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ قطعا للنزاع ، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [ البقرة : 282 ] وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه ، والشافعي كذلك لظاهر الأمر . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر : إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق . وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة ، وكذا النظر إلى الفرج رجعة ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة ، وقيل : وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها ، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية . قال القرطبي : وكان مالك يقول : إذا وطئ ولم ينو الرجعة فهو وطء فاسد ، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ، وله الرجعة في بقية العدة الأولى ، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء . تنبيه : قوله تعالى : مِنْكُمْ قال الحسن : من المسلمين ، وعن قتادة : من أحراركم ، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوي للمذكر . وقوله تعالى : وَأَقِيمُوا أي : أيها المأمورون حيث كنتم شهودا الشَّهادَةَ التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها لِلَّهِ أي : مخلصين لوجه الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه ، ولا شيء سوى وجه الله تعالى . وفيه حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشاهد بترك مهماته وعسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده ، وربما بعد مكانه وكان للعدل في الأداء عوائق أيضا ذلِكُمْ أي : الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام ، وأولاها بذلك هذا الإشهاد وإقامة الشهادة يُوعَظُ أي : يلين ويرقق بِهِ مَنْ كانَ أي : كونا راسخا من جميع الناس يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي : الذي له الكمال كله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإنه المحط الأعظم للترقيق ، وأما من لم يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به لأنه لم ينتفع به . وقوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي : يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية بما يرضيه ، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من الطلاق وغيره ، ظاهرا وباطنا لأن