الخطيب الشربيني
337
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أو هما بها فلا نقل ، لأن الوحشة لا تطول بينهما ، ولو انتقلت لبلد أو مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة ، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها مأمورة بالمقام فيه ، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت العدة بعد وصولها للثاني لعصيانها بذلك . نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن تقيم في الثاني فكما لو انتقلت بالإذن . ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول . ولو سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها ، فإن مضت وجب عودها بعد انقضاء حاجتها إن سافرت لها ، أو بعد انقضاء مدة الإذن إن قدر لها مدة ، أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها . ولو خرجت فطلقها وقال : ما أذنت في الخروج ، أو قال - وقد قالت : أذنت في نقلتي - : أذنت لا لنقلة ، صدق بيمينه ، ولو كان المسكن ملكا له ويليق بها تعين ؛ لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري ، أو كان مستعارا ، أو مكرى وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك ، وإن كان ملكا لها تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو كان المسكن خسيسا ، ويخير هو إن كان نفيسا وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على الزوج حيث تجب نفقتها عليه لو لم تفارق ، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة لقوله تعالى : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ [ الطلاق : 6 ] وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة ، ولخبر فريعة بنت مالك في الوفاة : « أن زوجها قتل فسألت النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها ، وقالت : إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ، فأذن لها في الرجوع ، قالت : فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد ، دعاني فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ، قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا » « 1 » صححه الترمذي وغيره . وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية ، والباقون بكسرها وَتِلْكَ أي : الأحكام العالية جدا لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها حُدُودُ اللَّهِ أي : الملك الأعظم وَمَنْ يَتَعَدَّ أي : يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو حُدُودُ اللَّهِ أي : الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعيا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي : عرضها للعقاب . وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء ، والباقون بالإدغام لا تَدْرِي أي : نفس ، أو أنت أيها النبي ، أو المطلق لَعَلَّ اللَّهَ أي : الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور يُحْدِثُ أي : يوجد شيئا حادثا لم يكن إيجادا ثابتا لا تقدر الخلق على التسبب في زواله بَعْدَ ذلِكَ أي : الحادث من الإساءة والبغض أَمْراً بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها . وقال أكثر المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ، ومعنى الكلام التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث ، وهذا أحسن الطلاق وأحله في السنة وأبعده عن الندم .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطلاق حديث 2300 ، والترمذي في الطلاق حديث 1204 ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2031 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 434 ، 435 ، والدارمي في الطلاق حديث 2287 .