الخطيب الشربيني

336

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

« إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق » « 1 » وعن علي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تزوجوا ولا تطلقوا ، فإن الطلاق يهتز منه العرش » « 2 » وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « يا معاذ ما خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ، ولا خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق » « 3 » وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق » « 4 » واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق ، فقالت طائفة بجوازه ، وهو مروي عن طاوس ، وبه قال حماد الكوفي ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وقال مالك والأوزاعي : لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتق . وقال قتادة : لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول . ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدا صرح بصيغة الأمر فقال تعالى : وَأَحْصُوا أي : اضبطوا ضبطا كأنه في إتقانه محسوس الْعِدَّةَ ليعرف زمان الرجعة والنفقة والسكنى ، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ونحو ذلك من الفوائد الجليلة وَاتَّقُوا أي : في ذلك اللَّهَ أي : الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر رَبَّكُمْ أي : لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع جميع الآصار عنكم لا تُخْرِجُوهُنَّ أي : أيها الرجال في حال العدة مِنْ بُيُوتِهِنَّ أي : المسكن التي وقع الفراق فيها ، وهي مساكنهن التي يسكنها قبل العدة ، وهي بيوت الأزواج ، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى . وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء الموحدة ، والباقون بكسرها وَلا يَخْرُجْنَ أي : من بيتوهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك ، وعلى الحاكم المنع منه لأن في العدة حقا لله تعالى ، وقد وجبت في ذلك المسكن . وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ مستثنى من الأول ، والمعنى إلا أن تبذو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها . وقال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبذو على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقال ابن مسعود : أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ، ثم ترد إلى منزلها . وقال قتادة : الفاحشة النشوز ، وذلك أن يطلقها على النشوز فتحوّل عن بيته . ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر ، أما لعذر كشراء غير من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهارا ، وغزلها ونحوه كحديثها وتأنيسها عند جارتها ليلا وترجع وتبيت ببيتها ، فإنه جائز للحاجة إلى ذلك ، وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها وشدة تأذيها بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك ، بخلاف الأذى اليسير إذ لا يخلو منه أحد ومن الجيران الأحماء وهم أقارب الزوج ، نعم إن اشتد أذاها بهم أو عكسه وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو طلبت بيت أبويها وتأذت بهما

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطلاق حديث 2178 ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2018 . ( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 8 / 149 ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 12 / 191 ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 5 / 1764 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 361 ، 2 / 482 . ( 3 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 / 278 ، والقرطبي في تفسيره 3 / 126 ، 18 / 149 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 361 ، والدارقطني في سننه 4 / 35 ، وابن الجوزي في العلل المتناهية 2 / 155 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في الطلاق حديث 2177 .