الخطيب الشربيني
315
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
واقتتلا فصرخ جهجاه : يا للمهاجرين ، وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ، ولطم سنانا ، فقال عبد الله لجعال : وأنت هناك وقال : ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل ، عنى بالأعز نفسه ، وبالأذل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال لقومه : ماذا فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث ، فقال : أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد في عز من الرحمن وقوّة من المسلمين ، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب ، فأخبر زيد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله ، فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب ، قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا ، قال : فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه ؟ وقال صلى اللّه عليه وسلم لعبد الله : أنت صاحب الكلام الذي بلغني ، قال : والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإنّ زيدا لكاذب فهو قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فقال الحاضرون : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم » « 1 » . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لعلك غضبت عليه ، قال : لا ، قال : فلعله أخطأ سمعك ، قال : لا ، قال : فلعله شبه عليك ، قال : لا ، فلما نزلت لحق صلى اللّه عليه وسلم زيدا من خلفه فعرك أذنه ، وقال : وعت أذنك يا غلام إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين » « 2 » . تنبيه : سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال : الذي يصف الإيمان ولا يعمل به . وروى أبو هريرة أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » « 3 » وروى عبد الله بن عمر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه خصلة منهنّ كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » « 4 » وروي عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال : إنّ بني يعقوب حدثوا فكذبوا ، ووعدوا فأخلفوا ، وائتمنوا فخانوا ، إنما هذا القول من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين ، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق ، وليس المعنى أنّ من ندرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقال عليه الصلاة والسلام : « المؤمن إذا حدث صدق ، وإذا وعد نجز ، وإذا ائتمن وفى » « 5 » والمعنى المؤمن الكامل فَصَدُّوا أي : فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة ما في الصدور ، وحملوا
--> ( 1 ) تقدم الحديث بلفظ قريب منه مع تخريجه . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 3 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 33 ، ومسلم في الإيمان حديث 59 ، والترمذي في الإيمان حديث 2631 ، والنسائي في الإيمان حديث 5021 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 34 ، ومسلم في الإيمان حديث 58 ، وأبو داود في السنة حديث 4688 ، والترمذي في الإيمان حديث 2632 ، والنسائي في الإيمان حديث 5020 . ( 5 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 122 .