الخطيب الشربيني
316
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
غيرهم على الإعراض عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه ، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجراءتهم على الأيمان الخائنة إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا أي : جبلة وطبعا يَعْمَلُونَ أي : يجدّدون عمله مستمرّين عليه بما هو كالجبلة من جراءتهم على الله ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وخلص عباده بالأيمان الخائنة . ولما كانت المعاصي تعمي القلوب فكيف بأعظمها علله بقوله تعالى : ذلِكَ أي : سوء عملهم بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . فإن قيل : إنّ المنافقين لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله تعالى : آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ؟ أجيب : بثلاثة أوجه : أحدها : آمنوا ، أي : نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا أي : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك ، وتبين بما اطلع عليه من قولهم إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات ، ونحوه قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [ التوبة : 74 ] أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا ، ونحوه لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ التوبة : 66 ] . والثاني : آمنوا أي : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام بقوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 14 ] إلى قوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] وهذا إعلام من الله تعالى بأنّ المنافقين كفار . الثالث : أن يراد أنّ ذلك في قوم آمنوا ثم ارتدّوا فَطُبِعَ أي : فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه عَلى قُلُوبِهِمْ أي : لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق فَهُمْ أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا يَفْقَهُونَ أي : لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء ، فهم لا يميزون صوابا من خطأ ، ولاحقا من باطل . وَإِذا رَأَيْتَهُمْ أي : أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة ، أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لضخامتها وصباحتها ، فإنّ عنايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم ، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق . قال ابن عباس : كان ابن أبيّ جسيما صحيحا فصيحا ذلق اللسان ، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ويستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم وَإِنْ يَقُولُوا أي : يوجد منهم قول في وقت من الأوقات تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي : لفصاحته فيلذذ السمع ويروق الفكر كَأَنَّهُمْ أي : في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم ، وفي عدم الانتفاع بهم في شيء خُشُبٌ جمع كثرة لخشبة ، وهو دليل على كثرتهم مُسَنَّدَةٌ أي : قطعت من مغارسها ممالة إلى الجدار . وقرأ أبو عمرو والكسائي بسكون الشين ، والباقون بضمها يَحْسَبُونَ أي : لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم كُلَّ صَيْحَةٍ أي : من نداء مناد في إنشاد ضالة ، أو انفلات دابة ، أو نحو ذلك واقعة عَلَيْهِمْ وضارّة لهم لجبنهم وهلعهم لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم . ومنه أخذ الأخطل « 1 » :
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لجرير في ديوانه ص 53 ، وشرح شواهد الشافية ص 125 ، والعقد الفريد 3 / 132 .