الخطيب الشربيني

314

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَاللَّهُ أي : المحيط بجميع صفات الكمال يَشْهَدُ شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن إِنَّ الْمُنافِقِينَ أي : الراسخين في وصف النفاق لَكاذِبُونَ أي : في إخبارهم عن أنفسهم إنهم يشهدون ، لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك ، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره بباطنه وسره بعلانيته ، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه الله تعالى كذبا لأن قولهم خالف اعتقادهم . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ أي : كلها من شهادتهم وكل يمين سواها جُنَّةً أي : سترة عن أموالهم ودمائهم ، روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأرسل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فصدقهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكذبني ، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي ، فأنزل الله عز وجل إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إلى قوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وقوله لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فأرسل إلي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : « إن الله قد صدقك » « 1 » وروى الترمذي عن زيد بن أرقم قال : « غزونا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء ، وكان الأعراب يسبقوننا فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ، ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، قال : فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه ، فانتزع حجرا ففاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره ، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي ، ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، يعني : الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عند الطعام ، فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن عنده ، ثم قال لأصحابه : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد ، قال : فصدقه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكذبني قال : فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكذبك المنافقون ، قال : فوقع علي من جراءتهم ما لم يقع على أحد ، قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في سفر قد خفقت رأسي من الهمّ ؛ إذ أتاني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فعرك أذني ، وضحك في وجهي فكان ما يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدنيا ، ثم إنّ أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؟ قلت : ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي ، فقال : أبشر ثم لحقني عمر فقلت له : مثل قولي لأبي بكر ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سورة المنافقين » « 2 » قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وروي « أنه صلى اللّه عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم ، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه ، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبيّ ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4900 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 2312 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 2313 .