الخطيب الشربيني
302
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الزمان فرسول الله صلى اللّه عليه وسلم معلمه بالقوة ، لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم . تنبيه : الذين لم يلحقوا بهم هم الذين لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون بعدهم . قال ابن عمر وسعيد بن جبير : هم العجم ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : « كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا ، قال : وفينا سلمان الفارسي ، قال : « فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : « لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجل من هؤلاء » « 1 » وفي رواية « لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجال من فارس » « 2 » أو قال : من أبناء فارس حتى تتناوله . وقال عكرمة : هم التابعون ، وقال مجاهد : هم الناس كلهم ، يعني : من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن زيد ، ومقاتل بن حبان : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة . وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم تلا وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ » « 3 » قال ابن عادل : والقول الأول أثبت . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيتني أسقي غنما سودا ، ثم أتبعتها غنما عقرا أولها يا أبا بكر ، قال : يا نبي الله أما السود فالعرب ، وأما العقر فالعجم تتبعك بعد العرب ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : كذلك أولها الملك يعني جبريل عليه الصلاة والسلام » « 4 » رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . وَهُوَ أي : والحال أنه وحده الْعَزِيزُ أي : الذي يقدر على كل ما أراده ، ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أي طائفة كان ، ولو كان أجهل أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده الْحَكِيمُ فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها ، فلا يستطاع نقضه ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطاق ردة بوجه . ولما كان هذا أمرا باهرا عظمه بقوله تعالى على وجه الاستثمار من قدرته : ذلِكَ الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه ، وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف فَضْلُ اللَّهِ أي : الذي له جميع صفات الكمال والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرض يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ قال ابن عباس : حيث ألحق العجم بقريش ، وقال الكلبي : يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقال مقاتل : يعني الوحي والنبوة . وقيل : إنه المال ينفق في الطاعة لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، فقال : وما ذاك ؟ فقالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4897 . ( 2 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 2546 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3261 . ( 3 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 6 / 248 ، وابن كثير في تفسيره 8 / 143 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 215 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 34572 . ( 4 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 93 .