الخطيب الشربيني
303
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تسبحون ، وتكبرون ، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة ، قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : فقالوا : سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » « 1 » وقيل : إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ودخولهم في دينه ونصرته وَاللَّهُ الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ أي : كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله تعالى لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ، بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس ، وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها أي : بأن حملوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ، ثم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إذا جاء فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم فإذا لهم النار من غير نفع أصلا كَمَثَلِ أي : مثلهم مثل الْحِمارِ أي : الذي هو أبلد الحيوان فهو مثل في الغباوة حال كونه يَحْمِلُ أَسْفاراً أي : كتبا كبارا من كتب العلم جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه ، في عدم الانتفاع بها لأنه يمشي ولا يدري منها إلا ما يضر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ومثل ذلك قول الشاعر « 2 » : زوامل للأسفار لا علم عندهم * بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا * بأحماله أو راح ما في الغرائر من إنشاد الشيخ ابن الخباز . بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ أي : الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدون الَّذِينَ كَذَّبُوا أي : محمدا على علم بِآياتِ اللَّهِ أي : دلالات الملك الأعظم على رسوله ، ولا سيما محمد صلى اللّه عليه وسلم والمخصوص بالذم محذوف تقديره : هذا المثل وَاللَّهُ أي : الذي له جميع صفات الكمال لا يَهْدِي الْقَوْمَ أي : لا يخلق الهداية في قلوب الذين تعمدوا الزيغ الظَّالِمِينَ أي : الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان ، الذي لم يدع لبسا حتى صار الظلم لهم صفة راسخة . ولما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه نزل قوله تعالى : قُلْ أي : يا أشرف الرسل يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا أي : تدينوا باليهودية إِنْ زَعَمْتُمْ أي : قلتم قولا هو معرض للتكذيب ، ولذلك أكذبتموه أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه خصكم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 155 ، والدعوات باب 17 ، ومسلم في المساجد حديث 142 ، والزكاة حديث 53 ، وأبو داود في الوتر باب 24 ، ابن ماجة في الإقامة باب 32 ، والدارمي في الصلاة باب 90 ، وأحمد في المسند 2 / 238 ، 5 / 167 ، 168 . ( 2 ) البيتان من الطويل ، وهما لمروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة في ديوانه ص 58 ، ولسان العرب ( زمل ) ، وتاج العروس ( زمل ) .