الخطيب الشربيني

263

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ أي : التي هي مساكن قلوبهم فضلا عن أن تنطق ألسنتهم حاجَةً قال الحسن : حسدا وحزازة وغيظا مِمَّا أُوتُوا أي : آتى النبيّ المهاجرين من أموال بني النضير وغيرهم ، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة لأنّ هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة ، فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية . فعلى هذا يكون الضمير الأوّل للجائين بعد المهاجرين ، وفي أوتوا للمهاجرين . وقيل : إنّ الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه ، والمعنى : ولا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره ، والمحتاج إليه يسمى حاجة ، تقول : خذ منه حاجتك ، وأعطاه من ماله حاجته قاله الزمخشري . والضمير ان على ما تقدم ، وقال أبو البقاء : مس حاجة ، أي : أنه حذف المضاف للعلم به ، وعلى هذا فالضميران للذين تبوؤا الدار والإيمان . قال القرطبي : كان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم صلى اللّه عليه وسلم أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم منازلهم وإشراكهم في الأموال ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم « إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم » فقال سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ : بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا ، ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأعطى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم المهاجرين ، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين ، أبا دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصمة « 1 » . ولما أخبر تعالى عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الأخبار بتحليهم بالفضائل فقال عز من قائل : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ فيبذلون لغيرهم كائنا من كان ما في أيديهم ، فإنّ الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية ، وذلك ينشأ عن قوّة اليقين ، وتوكيد المحبة ، والصبر على المشقة ، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة عن الرذائل فإنّ النفس إذا طهرت كان القلب أطهر وأكد ذلك بقوله تعالى : وَلَوْ كانَ أي كونا هو في غاية المكنة بِهِمْ أي خاصة لا بالمؤثر خَصاصَةٌ أي : فقر وحاجة إلى ما يؤثرون به . روي عن أبي هريرة أن رجلا بات به ضيف ، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك ، فنزلت هذه الآية . وعنه أيضا قال : « جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال : لامرأته هل عندك شيء ؛ قالت : لا إلا قوت صبياني ، قال : فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج » « 2 » وذكر نحو الحديث الأول . وفي رواية فقام رجل من الأنصار يقال له : أبو طلحة فانطلق به إلى رحله . وذكر المهدوي

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في فتح الباري 7 / 333 ، والقرطبي في تفسيره 18 / 11 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3798 ، ومسلم في الأشربة حديث 2054 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 2304 .