الخطيب الشربيني
264
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أنها نزلت في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار يقال له : أبو المتوكل ، ولم يكن عنده إلا قوته . وذكر القشيري قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رأس شاة ، فقال : إنّ أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثها إليهم ، فلم يزل يبعث بها واحد إلى آخر حتى تناولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت الآية . وذكر القرطبي عن أنس قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة ، وكان مجهودا فوجه بها إلى جار له فتداولها سبعة أنفس في سبعة أبيات ، ثم عادت إلى الأوّل فنزلت . فإن قيل : قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء أجيب : بأن محل النهي فيمن لا يوثق منه بالصبر على الفقر ، وخاف أن يتعرّض للمسألة إذا فقد ما ينفقه ، فأما الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بالإيثار على أنفسهم فكانوا كما قال تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [ البقرة : 177 ] فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك ، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار . كما روي « أنّ رجلا جاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب ، فقال : هذه صدقة فرماه بها ، وقال : يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس » « 1 » والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس . ومن الأمثال : والجود بالنفس أعلى غاية الجود ، وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله لا يصيبونك نحري دون نحرك » « 2 » ، ووقى بيده رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فشلت . وقال حذيفة الدوري انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي فإذا برجل يقول : آه ، آه . فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أن انطلق عليه فجئت إليه ، فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات . وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم إلينا حاجا ، فقال لي : يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم ، فقلت : إذا وجدنا أكلنا ، وإذا فقدنا صبرنا ، فقال : هكذا كلاب بلخ فقلت : وما حد الزهد عندكم ، فقال : إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا . وسئل ذو النون ما حد الزهد قال : ثلاث : تفريق المجموع ، وترك تطلب المفقود ، والإيثار عند القوت . وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ، وبينهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام ، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ أي : يجعل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول بينه وبينها ، فلا يكون مانعا لما عنده حريصا على ما عند غيره حسدا . قال ابن عمر : الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له ، قال صلى اللّه عليه وسلم « اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الزكاة حديث 1673 ، والدارمي في الزكاة حديث 1659 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3811 ، ومسلم في الجهاد حديث 1811 . ( 3 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2578 ، وأحمد في المسند 2 / 160 ، 191 ، 195 ، 431 ، 3 / 323 .