الخطيب الشربيني

262

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أحدها : أنه ضمن تبوؤوا معنى لزموا فيصح عطف الإيمان عليه ؛ إذ الإيمان لا يتبوأ . ثانيها : أنه منصوب بمقدر ، أي : واعتقدوا ، أو وألفوا ، أو وأحبوا ، أو وأخلصوا كقول القائل « 1 » : علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر « 2 » : ومتقلدا سيفا ورمحا ثالثها : أنه يتجوّز في الإيمان فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم ، فكأنهم نزلوه وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة ، وفيه خلاف مشهور . رابعها : أن يكون الأصل دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه . خامسها : أن يكون سمى المدينة به ، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان ، قال هذين الوجهين الزمخشري ، وليس فيه إلا قيام أل مقام المضاف إليه وهو محل خلاف ، وهو أن أل هل تقوم مقام الضمير المضاف إليه فالكوفيون يجوّزونه كقوله تعالى : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 41 ] أي : مأواه ، والبصريون يمنعونه ويقولون الضمير محذوف ، أي : المأوى له . وأما كونها عوضا عن المضاف إليه ، فقال ابن عادل : لا نعرف فيه خلافا . سادسها : أنه منصوب على المفعول معه ، أي : مع الإيمان . قال وهب : سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال : إنّ المدينة تبوّئت بالإيمان والهجرة ، وإنّ غيرها من القرى افتتحت بالسيف ، ثم قرأ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي : وهم الأنصار يُحِبُّونَ أي : على سبيل التجديد والاستمرار مَنْ هاجَرَ وزادهم محبة فيهم بقوله تعالى : إِلَيْهِمْ لأنّ القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه ، لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه

--> ( 1 ) يروى الرجز بتمامه : علفتها تبنا وماء باردا * حتى شتت همّالة عيناها والرجز بلا نسبة في لسان العرب ( زجج ) ، ( قلد ) ، ( علف ) ، والأشباه والنظائر 2 / 108 ، 7 / 233 ، وأمالي المرتضى 2 / 259 ، والإنصاف 2 / 612 ، وأوضح المسالك 2 / 245 ، والخصائص 2 / 431 ، والدرر 6 / 79 ، وشرح الأشموني 1 / 226 ، وشرح التصريح 1 / 346 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1147 ، وشرح شذور الذهب ص 312 ، وشرح شواهد المغني 1 / 58 ، 2 / 929 ، وشرح ابن عقيل ص 305 ، ومغني اللبيب 2 / 632 ، والمقاصد النحوية 3 / 101 ، وهمع الهوامع 2 / 130 ، وتاج العروس ( علف ) . ( 2 ) يروى البيت بلفظ : يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا والبيت من مجزوء الكامل ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 108 ، 6 / 238 ، وأمالي المرتضى 1 / 54 ، والإنصاف 2 / 612 ، وخزانة الأدب 2 / 231 ، 3 / 142 ، 9 / 142 ، والخصائص 2 / 431 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 182 ، وشرح المفصل 2 / 50 ، ولسان العرب ( رغب ) ، ( زجج ) ، ( مسح ) ، ( قلد ) ، ( جدع ) ، ( جمع ) ، ( هدى ) والمقتضب 2 / 51 .