الخطيب الشربيني
257
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أي : ردّا مبتدأ من الفاسقين فبين تعالى أن هذا فيء لا غنيمة ، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم بلا وارث ، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز ، وكذا الجزية وعشر تجاراتهم وما جلوا أي : تفرقوا عنه ولو لغير خوف كضرّ أصابهم . وأمّا الغنيمة فهي ما حصل لنا من الحربيين مما هو لهم بإيجاف حتى ما حصل بسرقة أو التقاط ، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين ولو قبل شهر السلاح ، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة . ولم تحل الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه فتأتي نار من السماء فتأخذه ، ثم أحلت لنبينا صلى اللّه عليه وسلم وكانت في صدر الإسلام له خاصة ، لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم ، ثم نسخ ذلك واستقرّ الأمر على ما هو في سورة الأنفال في قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 41 ] الآية وأما الفيء فهو مذكور هنا بقوله تعالى : فَما أَوْجَفْتُمْ أي : أسرعتم يا مسلمين عَلَيْهِ ومن في قوله تعالى : مِنْ خَيْلٍ مزيدة ، أي : خيلا ، وأكد بإعادة النافي دفعا لظن من ظنّ أنه غنيمة لإحاطتهم به بقوله تعالى : وَلا رِكابٍ والركاب الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات ، واحدها راكبة ولا واحد لها من لفظها . وقال الرازي : العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ، ويسمون راكب الفرس فارسا ، والمعنى : لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة ، فإنها كانت من المدينة على ميلين ، قاله الفرّاء فمشوا إليها مشيا ، ولم يركبوا إليها خيلا ولا إبلا إلا النبي صلى اللّه عليه وسلم ركب جملا ، وقيل : حمارا مخطوما بليف فافتتحها صلحا . قال الرازي : إنّ الصحابة طلبوا من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم ، فذكر الله تعالى الفرق بين الأمرين ، وأنّ الغنيمة هي التي تعبتم أنفسكم في تحصيلها ، وأمّا الفيء فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان الأمر مفوّضا فيه إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يضعه حيث يشاء . وَلكِنَّ اللَّهَ أي : الذي له العز كله فلا كفؤ له يُسَلِّطُ رُسُلَهُ أي : له هذه السنة في كل زمن عَلى مَنْ يَشاءُ يجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب أعدائه وَاللَّهُ أي : الملك الذي له الكمال كله عَلى كُلِّ شَيْءٍ يصح أن تتعلق المشيئة به ، وهو كل ممكن من التسليط وغيره قَدِيرٌ أي : بالغ القدرة إلى أقصى الغايات فلا حق لكم فيه ، ويختص به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة ، على ما كان عليه القسمة من أنّ لكل منهم خمس الخمس وله صلى اللّه عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء . ثم بين تعالى مصرف الفيء بقوله تعالى : ما أَفاءَ اللَّهُ أي : الذي اختص بالعزة والقدرة والحكمة عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أي : قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع ، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية ، فيخمس ذلك خمسة أخماس وإن لم يكن في الآية تخميس ، فإنه مذكور في آية الغنيمة فحمل المطلق على المقيد ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقسم له أربعة أخماسه وخمس خمسة ، ولكل من الأربعة المذكورين معه خمس خمس وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بين اللفظين ، والباقون بالفتح فقوله تعالى : فَلِلَّهِ أي : الملك الأعلى الذي كله بيده ذلك للتبرّك ، فإنّ كل أمر لا يبدأ فيه به فهو أجذم وَلِلرَّسُولِ أي : الذي عظمته من عظمته تعالى ، وقد تقدم ما كان له صلى اللّه عليه وسلم وأمّا بعده صلى اللّه عليه وسلم فيصرف ما كان له من خمس الخمس لمصالح المسلمين ، وسد ثغور ، وقضاة ، وعلماء بعلوم تتعلق بمصالح المسلمين كتفسير