الخطيب الشربيني

255

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع ويقال : السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره . ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها ثم بين أنّ الاعتبار لا يحصل إلا للكمّل بقوله تعالى : يا أُولِي الْأَبْصارِ بالنظر بأبصارهم وبصائرهم في غريب هذا الصنع ، لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ، ولا تعتمدوا على غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على المنافقين ، فإنّ من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته . وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ أي : فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي : الخروج من ديارهم والجولان في الأرض . فأمّا معظمهم فأجلاهم بختنصر من بلاد الشام إلى العراق ، وأمّا هؤلاء فحماهم الله تعالى بمهاجرة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من ذلك الجلاء ، وجعله على يده صلى اللّه عليه وسلم فأجلاهم ، فذهب بعضهم إلى خيبر ، وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة تنبيه : قال الماوردي : الجلاء أخص من الخروج ، لأنه لا يقال إلا للجماعة ، والإخراج يكون للجماعة والواحد . وقال غيره : الفرق بينهما أنّ الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك لَعَذَّبَهُمْ أي : بالقتل والسبي فِي الدُّنْيا كما فعل بقريظة من اليهود وَلَهُمْ أي : على كل حال أجلوا أو تركوا فِي الْآخِرَةِ التي هي دار البقاء عَذابُ النَّارِ وهو العذاب الأكبر . ذلِكَ أي : الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ، ويفعله بهم في الآخرة بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ أي : الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامّة فكانوا في شق غير شقه ، بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا الموادعين وَ شاقوا رَسُولَهُ أي : الذي إجلاله من إجلاله وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ أي : يوقع في الباطن مشاقة الملك الأعلى الذي لا كفؤ له في الماضي والحال والاستقبال فَإِنَّ اللَّهَ أي : المحيط بجميع العظمة شَدِيدُ الْعِقابِ وذلك كما فعل بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاقة في غزوة الأحزاب وكما فعل بأهل خيبر بأهل خيبر . وقوله تعالى : ما شرطية في موضع نصب بقوله تعالى : قَطَعْتُمْ وقوله تعالى : مِنْ لِينَةٍ بيان له . واختلف في معنى قوله تعالى : مِنْ لِينَةٍ فأكثر المفسرين على أنها هي النخلة مطلقا ، كأنهم اشتقوها من اللين . قال ذو الرمة « 1 » : [ من الطويل ] كان قتودي فوقها عش طائر * على لينة سوقاء تهفو جنوبها وقال الزهري : هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية ، وقال جعفر بن محمد : هي العجوة خاصة ، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة ، والعتيق : الفحل وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها حكاه الماوردي . وقال سفيان : هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون ، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارجه ، ويغيب فيه الضرس ، النخلة منها أحب إليهم من وصيف .

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 702 .