الخطيب الشربيني

189

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ [ الطور : 21 ] ألحقنا بهم ذرياتهم ، واشتقاق الثلة وهي مبتدأ من الثل وهو القطع والخبر عَلى سُرُرٍ جمع سرير وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة مَوْضُونَةٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما : منسوجة بالذهب ، وقال عكرمة : مشبكة بالدرّ والياقوت ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا : موضونة ، أي : مصفوفة لقوله تعالى في موضع آخر : عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الصافات : 44 ] وقيل : منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدرّ والياقوت ، والموضونة المنسوجة ، وأصله : من وضنت الشيء أي : ركبت بعضه على بعض ، ومنه قيل للدرع موضونة لتركب حلقها قال الأعشى « 1 » : ومن نسج داود موضونة * تسير مع الحيّ عيرا فعيرا ومنه أيضا وضين الناقة وهو حزامها لتراكب طاقاته ، قال عمر رضي الله عنه : وهو مار بواد محسر « 2 » : إليك تعد وقلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها رواه البيهقي . ومعناه أن ناقتي تعدو إليك مسرعة في طاعتك قلقا ، وضينها وهو حبل كالحزام من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك ؛ والمراد : صاحب الناقة فيسنّ للمار بوادي محسر أن يقول هذا الكلام الذي قاله عمر رضى الله تعالى عنه . ولما ذكر تعالى السرر وبين عظمتها ذكر غايتها فقال سبحانه : مُتَّكِئِينَ عَلَيْها أي : السرر على الجنب أو غيره كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه مُتَقابِلِينَ فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، وقال مجاهد وغيره : هذا في المؤمن وزوجته وأهله أي : يتكؤون متقابلين ، قال الكلبي طول كل سرير ثلث مئة ذراع ، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت وقيل : إنهم صاروا أرواحا نورانية صافية ليس لهم أدبار ولا ظهور . تنبيه : مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ حالان من الضمير في علي سرر ، ويجوز أن تكون حالا متداخلة فيكون متقابلين حالا من ضمير متكئين ، ثم بين تعالى أنهم في غاية الراحة بقوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي : لكفاية كل ما يحتاجون إليه وِلْدانٌ أي : على أحسن صورة وزي وهيئة مُخَلَّدُونَ قد حكم الله تعالى ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة على شكل الأولاد قال الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون ، ومنه قول امرئ القيس « 3 » : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرّطون ، يقال للقرط : الخلد ، والقرط ما يجعل في الأذنين من الحلق ؛ وقيل : مقرّطون أي ممنطقون من المناطق والمنطقة ما يجعل في الوسط ؛ وأكثر المفسرين أنهم على سن واحد أنشأهم الله تعالى لأهل الجنة ، يطوفون عليهم نشؤا من غير ولادة فيها لأنّ الجنة لا ولادة فيها ؛ وقال عليّ بن أبي طالب والحسن البصري رضي الله عنهم : الولدان

--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان الأعشى ص 149 ، ولسان العرب ( وضن ) ، وتاج العروس ( وضن ) . ( 2 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( قلق ) ، ( ودن ) ، ( وضن ) ، وتاج العروس ( قلق ) ، ( وضن ) . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 27 .