الخطيب الشربيني
190
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ههنا ولدان المسلمين الذي يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة ؛ وقال سلمان الفارسي : أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة ؛ قال الحسن : لم تكن لهم حسنات يجازون بها ولا سيآت يعاقبون عليها فوضعوا هذا الموضع . والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة وقوله تعالى : بِأَكْوابٍ متعلق بيطوفون ، والأكواب جمع كوب وهي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم ، لا يعوق الشارب منها عائق عن شرب من أي موضع . أراد منها ، فلا يحتاج أن يحول الإناء عن الحالة التي تناوله بها ليشرب ، وقوله تعالى : وَأَبارِيقَ جمع إبريق ، وهي أوان لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، سمى بذلك لبريق لونه من صفائه وَكَأْسٍ أي : إناء شراب الخمر مِنْ مَعِينٍ أي : خمر صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها جارية من منبع لا ينقطع أبدا . فإن قيل : كيف جمع الأكواب والأباريق وأفرد الكأس ؟ أجيب : أنّ ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كثيرة ويشربون بكأس واحد ، وفيها مباينتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق ولا تثقل عليهم بخلاف أهل الدنيا لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أي : بسببها قال الزمخشري وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها ، والصداع : هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه ، والخمر تؤثر فيه ؛ قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر « 1 » : تشفى الصداع ولا يؤذيك صالتها * ولا يخالطها في الرأس تدويم قال أبو حيان : هذه صفة خمر الجنة كذا قال لي الشيخ أبو جعفر بن الزبير ؛ والمعنى : لا تتصدّع رؤوسهم من شربها فهي لذة بلا أذى بخلاف خمر الدنيا ؛ وقيل : لا يتفرقون عنها وَلا يُنْزِفُونَ أي : تذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي : يفرغ شرابهم من نزفت البئر إذا نزح ماؤها كله ؛ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الزاي والباقون بفتحها وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي : يختارون ما يشتهون من الفواكه لكثرتها ؛ وقيل : المعنى : وفاكهة متخيرة مرضية والتخير الاختيار وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي : يتمنون ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى ، ويقال : إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب ؛ فإن قيل : ما الحكمة في تخصيص الفاكهة بالتخيير ، واللحم بالاشتهاء ؟ أجيب : بأنّ اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم ، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة ، فالجائع مشته ، والشبعان غير مشته بل هو مختار ، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم للفاكهة أكثر فيتخيرونها ، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة في القرآن بخلاف اللحم ، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل ، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم . فإن قيل : الفاكهة واللحم لا يطوف بهما الولدان ، والعطف يقتضي ذلك ؟ أجيب : بأنّ الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان فيناولونهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده ، أو يكون معطوفا على المعنى في قوله : جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي : مقرّبون في جنات النعيم وفاكهة ولحم ، أي : في هذا النعيم يتقلبون .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان علقمة بن عبدة ص 73 .