الخطيب الشربيني
182
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ولا خطر على قلب بشر تُكَذِّبانِ أبهذه النعم أم بغيرها . مُتَّكِئِينَ أي لهم ما ذكر حالة الاتكاء والعامل في الحال محذوف ، أي : ينعمون متكئين عَلى رَفْرَفٍ أي : ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ووسائد عظيمة ، ورياض باهرة ، وبسط لها أطراف فاضلة ، وهو جمع رفرفة ، لأن الله تعالى وصفه بالجمع بقوله : خُضْرٍ ووصفه بذلك لأنّ الخضرة أحسن الألوان وأبهجها ، وقال الجوهري : هو ثياب خضر تتخذ منها المحابس الواحدة رفرفة واشتقاقه من رف الطائر أي : ارتفع في الهواء ورفرف بجناحيه إذا نشرهما للطيران ؛ وقيل : الرفرف طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب والأوتاد ؛ وفي الخبر في وفاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « فرفع الرفرف ، فرأينا وجهه كأنه ورقة » « 1 » ، أي : رفع طرف الفسطاط وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول : الرفرف أعظم خطرا من الفرش فذكر في الأوليين مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وقال هنا : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به أي طار به حيثما يريد كالمرجاح . وروي في حديث المعراج أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى ، جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش فذكر أنه قال : « طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي » « 2 » . أي : في محل تنزلات رحمة ربي ثم لما جاء الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به ، حتى أداه إلى جبريل عليه السلام ؛ فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور من الدنوّ والقرب ؛ كما أنّ البراق دابة تركبها الأنبياء عليهم السلام مخصوصة بذلك ، وهذا الرفرف الذي سخر لأهل الجنتين الدائبتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف بالوليّ على حافات تلك الأنهار حيث يشاء إلى خيام أزواجه . وقوله تعالى : وَعَبْقَرِيٍّ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجنّ فينسبون إليه كل شيء عجب ؛ قال في القاموس : عبقر موضع كثير الجنّ وقرية ثيابها في غاية الحسن ، والعبقري الكامل من كل شيء ؛ وقال الخليل : هو كلّ جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم ؛ وقال قطرب ليس هو من المنسوب بل هو بمنزلة كرسي وبختي ا . ه . والمراد به : الجنس ، ولذلك قال تعالى : حِسانٍ حملا على المعنى أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه تُكَذِّبانِ أبشيء من هذه النعم أم بغيرها ؟ ولما دلّ ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال وختم نعم الدنيا بقوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] وفيه إشارة إلى أنّ الباقي هو الله تعالى وأنّ الدنيا فانية ختم نعيم الآخرة بقوله عز من قائل : تَبارَكَ قال ابن برّجان : تفاعل من البركة ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر معجب ا . ه . ومعناه ثبت ثباتا لا تسع العقول وصفه . ولما كان تعظيم الاسم أبلغ في تعظيم المسمى قال تعالى : اسْمُ رَبِّكَ أي : المحسن إليك
--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 17 / 191 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .