الخطيب الشربيني

153

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أَمْ يَقُولُونَ أي : كفار قريش نَحْنُ جَمِيعٌ أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له مُنْتَصِرٌ أي على كل من يعاديه ، لأنهم على قلب رجل واحد ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي . ولما قال أبو جهل يوم بدر : إنا جميع منتصر نزل سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ بأيسر أمر بوعد لا خلف فيه . وقال مقاتل : ضرب أبو جهل يوم بدر فرسه فتقدم من الصف وقال : نحن ننتصر اليوم على محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ وقال سعيد بن المسيب : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لما نزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ، كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يثب في درعه ويقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل الأدبار لموافقة رؤوس الآي . بَلِ السَّاعَةُ أي : القيامة التي يكون فيها الجمع الأكبر والهول الأعظم مَوْعِدُهُمْ أي : للعذاب وَالسَّاعَةُ أَدْهى أي من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا وأدهى أفعل تفضيل من الداهية ، وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه فهي أمر عظيم ؛ يقال : دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا ؛ وقال ابن السكيت دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وَأَمَرُّ لأنّ عذابها للكفار غير مفارق ولا مزايل فهي أعظم نائبة وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر وفي رواية : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يثب في درعه ويقول : اللهمّ إن قريشا جادلتك وتجاهر رسولك بفخرها بخيلها فأخنهم الغداة . يقال : أخنى عليه الدهر أي غلبه وأهلكه ومنه قول النابغة « 1 » : [ من البسيط ] أخني عليها الذي أخنى على لبد وأخنيت عليه أفسدت ثم قال : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر : فعرفت تأويلها وهذا من معجزات رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، لأنّه أخبر عن غيب فكان كما أخبر ؛ قال ابن عباس : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين . فالآية على هذا مكية وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : « لقد أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب » « 2 » بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ وعن ابن عباس أنه صلى اللّه عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر : أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا ، فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يريد يوم القيامة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ مما لحقهم يوم بدر » « 3 » . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أي : المشركين القاطعين لما أمر الله تعالى أن يوصل فِي ضَلالٍ أي : هلاك بالقتل في الدنيا وَسُعُرٍ أي : نار مسعرة أي مهيجة في الآخرة وقيل : فِي ضَلالٍ أي :

--> ( 1 ) صدره : أمست خلاء وأمس أهلها احتملوا والبيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 16 ، وجمهرة اللغة ص 1057 ، وخزانة الأدب 4 / 5 ، والدرر 2 / 57 ، ولسان العرب ( لبد ) ، ( خنا ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4876 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4877 .