الخطيب الشربيني

154

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

عمى عن القصد بالبعث وسعر . قال الضحاك أي : نار تسعر عليهم وقيل ضلال ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة ، وسعر جمع سعير نار مسعرة وقال الحسين بن الفضل : إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة . وقال قتادة : في عناء وعذاب . ثم بين عذابهم في الآخرة بقوله تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ أي : في القيامة إهانة لهم من أي ساحب كان فِي النَّارِ أي الكاملة النارية عَلى وُجُوهِهِمْ لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى مقولا لهم من أي قائل اتفق ذُوقُوا لأنه لا منعة لهم ولا حمية بوجه مَسَّ سَقَرَ أي : حرّ النار وألمها فإن مسها سبب للتألم بها ، وسقر علم لجهنم مشتقة من سقرته الشمس أو النار أي لوحته ويقال : صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين قال ذو الرمة « 1 » : إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها * بأفنان مربوع الصريمة معبل وعدم صرفها للتعريف والتأنيث . وقال بعض المفسرين : إنّ هذه الآية نزلت في القدرية لما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « مجوس هذه الأمة القدرية » « 2 » وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله سبحانه إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ وفي مسلم عن أبي هريرة قال : « جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في القدر فنزلت هذه الآية إلى آخرها » « 3 » قال الرازي : والقدري هو الذي ينكر القدر وينسب الحوادث لاتصالات الكواكب لما مرّ أنّ قريشا خاصموا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في القدر ، ومذهبهم أن الله تعالى مكن العبد من الطاعة والمعصية وهو قادر على خلق ذلك في العبد وقادر على أن يطعم الفقير ولهذا قالوا : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه منكرين لقدرته تعالى على الإطعام . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « القدرية مجوس هذه الأمة » إن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقا كالقوم فالقدرية في زمانه صلى اللّه عليه وسلم هم المشركون المنكرون قدرته على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة ؛ وإن كان المراد بالأمة من آمن به صلى اللّه عليه وسلم فمعناه أن نسبة القدرية إليهم كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة ؛ فإنّ المجوس أضعف الكفرة المتقدّمين شبهة وأشدّ مخالفة للعقل وكذا القدرية في هذه الأمة ؛ وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم بكونهم في النار فالحق أنّ القدري : هو الذي ينكر قدرة الله تعالى وقد ردّ عليهم بالكتاب والسنة . أما من الكتاب فقوله تعالى : إِنَّا أي : بما لنا من العظمة كُلَّ شَيْءٍ من الأشياء المخلوقة صغيرها وكبيرها خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي : قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوّة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه . وأمّا من السنة : فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص : أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام قال وعرشه على الماء » « 4 » . وعن طاوس اليماني قال : أدركت ما شاء الله تعالى من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 1458 ، ولسان العرب ( ذوب ) ، ( صقر ) ، ( ربع ) ، ( عبل ) ، وتهذيب اللغة 2 / 375 ، وكتاب العين 5 / 60 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في السنة حديث 4691 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 92 . ( 3 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2656 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3290 . ( 4 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2653 .