الخطيب الشربيني
8
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
شبعت حمدتك وشكرتك » « 1 » ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبا جاءني ملك فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا ، فنظرت إلى جبريل عليه السّلام فأشار إلي أن ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا ، قالت : وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ، ويقول : آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد » « 2 » . وعن ابن عباس قال : « بينما رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جالس وجبريل عليه السّلام معه ، فقال جبريل عليه السّلام : هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك ، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وقال : إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحدا قبلك ، ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « بل يجمعها لي في الآخرة » « 3 » فنزل تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ الآية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مستأنف ، والثاني : أنه معطوف على جواب الشرط ؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله « 4 » : وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم والباقون بالجزم ، ويجوز في يَجْعَلْ لَكَ إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع . ثم أضرب سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : بَلْ أي : لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به ؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبا بل كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ أي : القيامة ، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي ، وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ، فلا يتكلفون النظر والفكر ، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل وَأَعْتَدْنا أي : والحال أنا اعتدنا أي : هيأنا بما لنا من العظمة لِمَنْ كَذَّبَ من هؤلاء وغيرهم بِالسَّاعَةِ سَعِيراً أي : نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم ، وعن الحسن : أن السعير اسم من أسماء جهنم . تنبيه : احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران ، 133 ] وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه ، وقال الكلبي والسدي : من مسيرة عام ، وقيل : من مسيرة مائة سنة ، روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا ، قالوا : وهل لها من عينين ؟ قال : نعم ، ألم تسمع قوله تعالى : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » « 5 » .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد حديث 3980 . ( 2 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 19 ، والبغوي في تفسيره 3 / 437 . ( 3 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 / 64 . ( 4 ) البيت من البسيط ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 153 ، والإنصاف 2 / 625 ، وجمهرة اللغة ص 108 ، والكتاب 3 / 66 ، ولسان العرب ( خلل ) ، ( حرم ) . ( 5 ) أخرجه بنحوه أبو داود حديث 3651 ، وأحمد في المسند 1 / 78 ، 167 .